خيانة داخلية أم مناورة حول «بوتين».. دلالات استهداف «الكرملين» بالمسيرات

عاطف سعد // وابامز

يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية باتت مقبلة على منعطف خطير، ومرحلة غير مسبوقة من التصعيد؛ إثر محاولة اغتيال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بواسطة طائرتين مسيرتين، قبل أن يتم تدميرهما على قبة قصر الرئاسة الروسي «الكرملين»، بوسط العاصمة موسكو.

روسيا وجهت أصابع الاتهام إلى أوكرانيا، ووصفت هذا الهجوم بالمسيرات، بأنه «عمل إرهابي مخطط له»، و«محاولة لاغتيال الرئيس الروسي»، مؤكدةً أنها تحتفظ بالحق في اتخاذ إجراءات انتقامية، في المكان والزمان المناسبين.

يأتي ذلك، في الوقت الذي تحاول فيه «كييف» إنكار صلتها بالحادث، حيث تعلم جيدًا عواقبه الوخيمة، وظهر ذلك جليًا في تصريحات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في مؤتمر صحافي مشترك مع زعماء «فنلندا والدنمارك والسويد والنرويج وأيسلندا»، بالعاصمة الفنلندية «هلسنكي»، الأربعاء 3 مايو 2023، حيث نفى تورط بلاده في الهجوم بطائرات مسيرة على مبنى الكرملين، في العاصمة الروسية «موسكو»، قائلًا: «نحن لا نهاجم بوتين أو موسكو، نحن نقاتل فقط على أراضينا، نحن ندافع عن قرانا ومدننا، نحن لم نهاجم بوتين».

عيد النصر

محاولة اغتيال الرئيس الروسي بطائرات مسيرة، لها العديد من الدلالات والرسائل، إذ جاء «قبل أيام من الاحتفال بعيد النصر على ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية»، والذي تحتفل به روسيا 9 مايو من كل عام، في الساحة الحمراء المحاذية لسور الكرملين، مما يجعل الحادث له أثر سلبي على معنويات الجنود والرأي العام الروسي، ويؤدي إلى تراجع شعبية بوتين، الأمر الذي قد يدفعه إلى اتخاذ «قرارات عصبية» لحفظ ماء وجه الجيش الروسي؛ مما يورطه في المستنقع الأوكراني أكثر، الأمر الذي يصب في نهاية الأمر، في صالح التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا السياق، يؤكد علاء عواد، الباحث في الشؤون الدولية، أن محاولة اغتيال بوتين، واقتراب الخطر من مقر إقامته- الذي يعد أحد أكثر الأماكن حساسية وتأمينا حول العالم-؛ تعكس وجود اختراق داخلي روسي، وليس من الخارج، فمن الذي عطَّل الدفاعات الجوية، وسمح لطائرات معادية بالاقتراب من الكرملين (قلعة بوتين الحصينة).

وأضاف علاء عواد، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، أن هذه المحاولة بمثابة «إنذار أوكراني» ببدء الهجوم المضاد في العمق الروسي، باستخدام سلاح الطائرات المسيرة، التي أثبتت نجاعتها في الفترة الأخيرة، وتسببت في خسائر كبيرة بصفوف «الجيش الأحمر» الذي يعد ثاني أقوى الجيوش في العالم، قبل أن يسقط في المستنقع الأوكراني، الذي يشبه إلى حد كبير «سيناريو سقوط روسيا في أفغانستان»، التي كانت أحد أسباب تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي في العقد الأخير من القرن العشرين.

العملية الروسية والرد بـ«الدرونز»

أكد الباحث في الشأن الدولي، أن الرئيس الروسي كان يريدها «عملية عسكرية خاطفة» لا تتجاوز 3 أيام، لكنه فوجئ بـ«الصمود الأوكراني» الذي نتج عنه «إحراج للجيش الروسي» في مناسبات عدة، وباتت قواته تعاني نقصا في الإمدادات؛ نتيجة الضربات الأوكرانية المتلاحقة على مخازن الذخيرة، وقطع خطوط الإمداد، لدرجة أنه «بات عاجزًا» عن التقدم خطوة واحدة إلى الأمام في اليوم التالي لاستهداف الكرملين.

وبعد «تفجير مستودعات وقود القرم»، الأسبوع الماضي، تلقى الجيش الروسي ضربة مؤلمة لإمداداته، بمقاطعة ستافروبول، شمال القوقاز، والتي تبعد عن مسرح العمليات الأوكراني بـ470 كيلو متر، بحسب ما يرى مراقبون، حيث تم تدمير مستودع وقود ضخم، مما يؤكد أن «دائرة بوتين المقربة» تعمل على سرعة التخلص منه، عبر تسهيل مهمة الوصول للأهداف الاستراتيجية الروسية من قبل الطيران المسير الأوكراني، بشكل يحرجه تمامًا، ويُظهره أمام شعبه «عاجزا حتى عن حماية نفسه» في تلك الحرب التي خاضها وهو يظن أنها «نزهة قصيرة الوقت»، لكن بعد عام، يجد الرياح تعكس النيران التي أشعلها في كييف.

وقال متخصصون: إن محاولة أوكرانيا لاغتيال بوتين؛ تؤكد قدرتها على شن ضربات دقيقة وعميقة في روسيا، بدليل وصولها إلى «قبة الكرملين»، وذلك بمساعدة بعض المسؤولين الروس، الذين باتوا يرون أن «بوتين» أصبح عبئًا على الدولة الروسية، ويجب التخلص منه.

تدبير روسي وتوقعات

توقع الباحث في الشؤون الدولية، مصطفى حجاج، في تصريحات خاصة لـ«الوشم الأوسط»، أن تشهد الأيام المقبلة «قطع بعض الرؤوس»، سواءً بتهمة التواطؤ أو الإهمال، الذي كان نتيجته «وصول مسيرات العدو إلى الكرملين»، لذا يجب أخذ تهديدات روسيا باتخاذ إجراءات انتقامية في المكان والزمان المناسبين «على محمل الجد»؛ فالرئيس الروسي لن يهدأ حتى ينتقم من المتورطين في الحادث، سواءً داخليًا أو خارجيًا، وقد يقدم على «استخدام القوى الغاشمة» في اجتياح كييف، أو «تدميرها» بالقصف الصاروخي، أو محاولة «تصفية رؤوس النظام الأوكراني».

ومن زاوية أخرى، يرى مراقبون، أن روسيا «هي من دبَّرت الحادث»؛ حتى تجدد مبررًا لاستخدام «القوة المفرطة» في أوكرانيا، ودكها رأسًا على عقب، ومعها «مسوغ شرعي» لذلك، كما يجعل التحالف الغربي يُحجم عن إمداد كييف بالأسلحة الهجومية؛ الأمر الذي يصب في نهاية المطاف في مصلحة موسكو، التي تريد حسم عمليتها العسكرية في أسرع وقت ممكن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى