ذعر أوروبي من إحياء الجيش الألماني.. هل تعود النازية؟

عاطف سعد// وابامز
ألقت الحرب الروسية الأوكرانية- التي اندلعت في 24 فبراير 2022- حجرًا كبيرًا في بحر السياسة الدولية، وشكلت نقطة حمراء كبيرة على خريطة التحالفات العالمية، وأثارت الكثير من المخاوف لدى العديد من الدول، وعلى رأسها ألمانيا؛ إذ دفعتها المخاوف من التوسع الروسي في الداخل الأوروبي، إلى التفكير الجدي في ضرورة «إحياء الجيش الألماني» الذي وصل تعداده إبان الحرب العالمية الثانية، إلى نحو 18 مليون مقاتل، ولكن تقلص عدده ودوره إلى 200 ألف، عقب هزيمة «أدولف هتلر» المذلة، في الحرب ذاتها عام 1945.
عودة الحلم القديم
الحرب الروسية الأوكرانية، وحدت الشعب الألماني «على قلب رجل واحد»، وجعلت البرلمان الألمانى يقر تعديلًا دستوريًا في يونيو 2022، يتيح تخصيص استثمارات بنحو 100 مليار يورو لـ«تحديث الجيش»، مما يشكل منعطفًا تاريخيًا في سياسة ألمانيا الدفاعية، إذ تجاوز إنفاقها العسكري نسبة 2 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي، بالإضافة إلى رغبتها في الخروج من عباءة حلف «الناتو» والولايات المتحدة الأمريكية.
كما يؤكد ذلك، رغبتها في العودة كـ«دولة عظمى»، كما كانت إبان الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أثار مخاوف دول القارة العجوز من عودة «ألمانيا النازية» مرة أخرى، إذ أكد المستشار الألماني، أولاف شولتس، أن بلاده تسعى إلى تطوير وامتلاك أكبر جيش تقليدي أوروبي في حلف الناتو، مشيرًا إلى أن الوضع الاستراتيجي لألمانيا وتقدمها التكنولوجي والاقتصادي، يتطلب ضرورة امتلاك قوة عسكرية مستقلة، لا تعتمد سوى على ذاتها في «التخطيط والأهداف والتطوير».
وأكد «شولتس» أن بناء جيش ألماني قوي، لن يخيف أوروبا، لا سيما بعد تخليه- منذ إعادة تأسيسه عام 1955- عن التقاليد التوسعية النازية، والتزامه قيم الجمهورية البرلمانية الديمقراطية، الكفيلة بتبديد أي هواجس.
بدورهم، أدرك الأوروبيون، أهمية تحمل ألمانيا- القوية عسكريًا- نصيب الأسد من الأعباء الأمنية الثقال، لقارة، باتت تهددها المخاطر.
واعتبر «شولتس» ما سبق، «نقطة تحول» في السياسة الدفاعية لبلاده، وحماية القارة الأوروبية، مشيرًا إلى آراء المؤرخ الألماني، فريتز ستيرن، الذي تحدث فيها عن الدولة الألمانية السادسة، المستعدة للذود عن مبادئ الحرية والليبرالية؛ من خلال تفعيل القوة العسكرية الغاشمة، التي أمست أداة ضرورية لحماية الديمقراطية وردع المستبدين.
قلق غربي
عقب بدء الحرب الروسية الأوكرانية؛ جاءت تصريحات الجنرال ألفونس مايس، قائد الجيش الألماني، التي أكد فيها أن جيش بلاده خالي الوفاض، والخيارات التي يمكننا أن نقدمها للحكومة لدعم الناتو، محدودة جدًا.
ومنذ أيام قليلة مضت؛ قال الجنرال مايس، إن الصندوق الألماني الخاص الجديد للجيش الألماني، والبالغ 100 مليار يورو، في ضوء الحرب في أوكرانيا، لا يكفي لتجهيز القوات المسلحة في البلاد بشكل كامل.
ومن جهته، أكد «محمود الأفندي»، الباحث المختص في العلاقات الدولية، في تصريحات خاصة، أن الدول الغربية تخشى من تنامي قوة الجيش الألماني مرة أخرى؛ خوفًا من تكرار ما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ كان «النازي» قادرًا على ابتلاع القارة العجوز، وأكبر دليل على ذلك؛ المخاوف التي عبر عنها مسؤول بارز في وزارة الدفاع البولندية، حيث قال: «قلقنا الأكبر.. هو امتلاك ألمانيا لجيش قوي».
وأضاف «الأفندي»، أن أكبر دليل على مخاوف الدول الغربية؛ هو ما تم الكشف عنه من فضائح حول التجسس الأمريكي على مكتب الحكومة الألمانية، منذ فترة حكم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والمستشار الحالي «شولتس»؛ حيث تبين أن الولايات المتحدة زرعت جواسيسها داخل وزارة الدفاع الألمانية؛ مما أغضب برلين، وذلك يؤكد خوف الإدارات الأمريكية من عودة قوة الجيش الألماني لسابق عهده، ولكن المرة الحالية، يأتي ذلك الخوف، في ظل حروب نووية، وتفوق ألماني في تكنولوجيا الأسلحة غير التقليدية الحديثة، بشكل يضعها في صدارة القوى العظمى، في الوقت الذي لا تمتلك فيه ألمانيا مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن.
خطر اليمين المتطرف
يرى مراقبون، أن نفس الأمر ينطبق على الدول الغربية، إذ أن السماح للقوة العسكرية الألمانية للوصول إلى أوج ذروتها وسيطرتها، في ظل تصاعد الدور السياسي للأحزاب اليمينية المتشددة في ألمانيا؛ يعزز من خطورة الجيش الألماني، إذ استعاد قوته القديمة قبيل هزيمته في الحرب العالمية الثانية، مما ينذر بموجات عنف غير مسبوقة في القارة العجوز، ويجعلها بين مطرقة «الدب الروسي» وسندان «الرايخ الألماني»، فمعظم قادة الجيش الألماني، أصحاب الانتماءات اليمينية المتشددة، يرون ضرورة استعادة مكانة الجيش الألماني مرة أخرى، خاصة عقب الكشف عن مواقف الإدارات الأمريكية «غير المضمونة» تجاه قضايا أمنية أوروبية، أو خارج القارة الأوروبية.
صحيفة «الإندبندنت» سبق أن أكدت، في تقرير لها، أن الفرنسيين وغيرهم، على دراية كاملة بما يقدر الألمان على فعله؛ لجعل أوروبا تعيش كابوسًا، مثل سَابِقَيْهِ، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأن 6 أشهر، هي مدة كافية لامتلاك ألمانيا أسلحة نووية، وقلب مصانعها المدنية إلى عسكرية، وهذا ما صرح به المستشار الألماني «شولتس»، حيث قال: «سنمتلك أكبر جيش في أوروبا.. لذا فعلى العالم التأهب والانتظار».
ومن أجل ذلك؛ سارعت فنلندا والسويد وبولندا إلى التقدم بطلبات للانضمام إلى حلف الناتو؛ لتكون تحت مظلة حماية عسكرية، تحميها خلال أي حوادث كبرى، وهو ما تحقق؛ بانضمام «هلسنكي» فعليًا للحلف، الثلاثاء الماضي، وباتت «استوكهولم» في الطريق، لأن تلك الأجواء تذكرهم باستعدادات «النازية» بقيادة هتلر، لاجتياح أوروبا، حتى أن روسيا، انتقدت بشدة «إعادة بناء الجيش الألماني»، وأكدت أن ذلك «يعيد العالم إلى حقبة النازية» من 1939 إلى 1945.


