استقبال المسلمين للشهر المعظم حول العالم.. أبرز الطقوس والتقاليد

عاد إلينا معشوق المسلمين من جديد؛ ليزكي نفوسنا، ويصفي قلوبنا، ويقوي أبداننا، وينشر البسمة على وجوهنا، أتى رمضان، شهر القرآن، وسط دعوات أن يعم الخير والرخاء على العرب والمسلمين.
أتى شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، ولقد عظم الله- تبارك وتعالى- هذا الشهر الفضيل، فذكره في القرآن الكريم، حيث قال- تعالى-: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ».
وللمسلمين في هذا الشهر المبارك، عادات وتقاليد، تختلف، باختلاف البلاد التي يعيشون فيها، من حيث طريقة استقبال هذا الشهر، وما يصاحبه من بهجة تزين القلوب وتثلج الصدور، وهذا لا يقتصر على مكان دون آخر، فبهجة الشهر الفضيل، تتسع؛ لتضيء العالم كله، ولم لا، وهو شهر القرآن، الذي ملأ العالم كله نورًا وهداية.
حول استقبال شهر الفرقان، يقدم مركز «الوشم الأوسط»، جولة رمضانية حول العالم؛ لتُظهر البهجة في عيون المسلمين بعدد من الدول، ومدى تأثير الشهر الكريم على عاداتهم وتقاليدهم.
أرض مهبط الوحي
تعد «مكة المكرمة»، مهبط الوحي، وقبلة المسلمين، ومأوى أفئدتهم، وكذلك «المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة»، فهي الأماكن المقدسة التي تهفو أفئدة المسلمين شوقًا إليها من كل بقاع الدنيا، ولا يضاهيها في الحب مكان، فما أن تهل نسائم الشهر الفضيل؛ حتى تعم الفرحة جميع الأرجاء، ويتبادل المواطنون التهاني، وتضاء الشوارع بالفوانيس والزينة الرمضانية.
ومن عادات السعوديين في الشهر الكريم عند الإفطار؛ تناول التمر مع الحليب أو الماء، وهو ما يسمى بـ«فك ريوق»، ثم تناول طعام الإفطار بعد أداء صلاة المغرب.
وتشتهر المملكة، بالعديد من الأكلات الشعبية، التي تعد من الموروثات، وعلى رأسها «الكبسة، والسليق، ومشبوش السمك»، بالإضافة إلى «الحنيذ»، و«أكلة المطازيز» المكونة من العجين واللحم وجميع أنواع الخضراوات، أما الحلويات؛ فإن موائد رمضان غالبًا لا تخلو من حلوى «الحنيني» و«الكليجا».
وتحرص الأسر السعودية أيضًا، على تحضير ولائم الإفطار وسط الأهل والأصدقاء، وكذلك أمسيات السحور التي لا تخلو من تناول الحلويات والقهوة العربية، حيث يلتقي الجميع على مائدة واحدة، حتى الأقارب والأصدقاء؛ وذلك لتشجيع الأطفال على الحفاظ على صلة الرحم.
وبالنسبة لعمل الخير؛ تقام موائد إفطار بالقرب من المساجد في جميع أنحاء المملكة، ويتم إعداد وجبات إفطار خفيفة، توزع على إشارات المرور، وبعد ليلة القدر، وهي السابع والعشرين من رمضان؛ يقومون بتوزيع زكاة الفطر على الفقراء إلى ما قبل صلاة العيد، ويحرص الكثير منهم أيضا على أداء العمرة في هذا الشهر، فيما يعتكف البعض في المسجد النبوي أو المسجد الحرام في الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان.
المغاربة.. ليلهم نهار
يمكن لأي مسلم يعيش في المغرب، أن يرى مدى الاحتفال بقدوم شهر رمضان، ويظهر ذلك في الأيام الأخيرة من شهر شعبان؛ حين يتجهز المغاربة لاستقبال شهر الصوم في وقت مبكر، ومن تلك المظاهر؛ تحضير بعض أنواع الحلوى الأكثر استهلاكًا والأشد طلبًا على موائد الإفطار.
وبمجرد أن يتأكد دخول الشهر؛ تنطلق ألسنة أهل المغرب بالتهنئات، قائلين: «عواشر مبروكة»، والعبارة تقال بالعامية، وتعني: «أيام مباركة» مع دخول شهر الصوم، بعواشِرِهِ الثلاث، عَشْر «الرحمة» وعَشْر «المغفرة» وعَشْر «العتق من النار»، ثم إنك ترى الناس يتبادلون الأدعية والمباركات والتهاني فيما بينهم؛ سرورًا بحلول الضيف الكريم.
كما يستوقفنا التواجد الرمضاني الكثيف داخل المساجد، وتمتلئ المساجد بالمصلين، لا سيما في صلاتي التراويح والجمعة، كما تتحول ليالي المغاربة إلى نهار، فبعد أداء صلاة العشاء والتراويح؛ يسارع الناس إلى الاجتماع والالتقاء لتبادل الحديث، وفي بعض المدن المغربية، تقام الحفلات والسهرات في الشوارع، ويستمر هذا السهر طويلًا حتى وقت السحور.
ولا تزال شخصية «المسحراتي» ذات حضور وقبول، فعلى الرغم من وسائل الإيقاظ الجديدة؛ فإن ذلك لم ينل من مكانة هذه الشخصية، فهي ما زالت حاضرة؛ حيث يطوف بين البيوت، قارعًا طبلته وقت السحر؛ مما يضفي على هذا الوقت طعمًا مميزًا ومحببًا لدى النفوس هناك.
وفيما يتعلق بالإفطار المغاربي؛ فإن «الحريرة» تأتي في مقدمتها، فقد صارت علامة على رمضان، ولذلك فهم يعدونها «الأكلة الرئيسية» على مائدة الإفطار، ومع قرب انقضاء أيام هذا الشهر؛ تختلط مشاعر الحزن بالفرح، «الحزن» على فراق هذه الأيام المباركة، و«الفرح» بقدوم أيام العيد السعيد، وبين هذه المشاعر المختلطة؛ يظل لهذا الشهر، أثره في النفوس والقلوب وقتًا طويلًا.
رمضان يوحد الأردنيين
يستقبل أهل الأردن، شهر رمضان، بالحفاوة والتبجيل، ويبارك الجميع بعضهم لبعض بقدوم الشهر المبارك، وتسود الفرحة والسرور عموم الأردنيين، وتمتلئ المساجد بالمصلين، وتنشط الحركة العلمية والدعوية خلال هذا الشهر، وتعقد دروس العلم والوعظ، وحلقات قراءة القرآن في كثير من المساجد.
وإذا انتقلنا إلى «وقت الإفطار»؛ رأينا أن الإفطار الجماعي، مظهر من مظاهر هذا الشهر في الأردن؛ حيث يلتقي الأقرباء والأصدقاء على مائدة الإفطار، والفرحة والبسمة ترتسم على وجوه الجميع.
أما سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فيقيمها البعض، لكن تشهد المساجد في ليلة السابع والعشرين من رمضان، حضورًا مكثفًا من الناس، إذ يرى الكثير منهم أن هذه الليلة هي ليلة القدر، والتي هي خير من ألف شهر، ومن المظاهر الخاصة بهذا الشهر الفضيل؛ أن أهل الخير يقيمون موائد الطعام الخاصة، ويدعون إليها الناس.
الحلوى العمانية ضيف دائم
الاستعداد لاستقبال شهر رمضان في عمان، يكون عادةً بالتهيؤ للشهر الكريم منذ وقت مبكر، وقبل دخول هذا الشهر، بشهور؛ حيث يتواصى الناس بالخير، ويذكر بعضهم بعضًا باقتراب موعد حلول شهر رمضان.
ويستقبل أهل عمان، شهر الخير، بالفرح والبهجة والسرور، وتظهر هذه المشاعر في الليلة الأخيرة من شهر شعبان؛ حيث يخرج الناس لمشاهدة هلال رمضان، ويتنافسون في مراقبة هلاله، فتراهم يبحثون عن الأماكن المرتفعة، فيصعدون إليها شغفًا وطلبًا للفوز برؤية الهلال، حيث أن رؤية الهلال لها مكانة عند الناس في عمان؛ لذلك نرى أن من يسبق إلى رؤية هلال رمضان، يشتهر اسمه بين الناس.
وظاهر الليالي الرمضانية، قد لا تختلف عن غيرها من الدول الخليجية؛ حيث يجتمع كل أصحاب القرية في المساجد، لأداء صلاة التراويح، حيث تتفاوت المساجد في أداء عدد ركعاتها.
رمضان في الإمارات
«رمضان كريم وعساكم من عواده».. مقولة تتردد على ألسنة الإماراتيين، يهنئون بها بعضهم بحلول الشهر الكريم، ويظهرون فيها فرحتهم، وابتهاجهم بموسم الخيرات والبركات، ذلك هو الشعور الرمضاني في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ولليالي الرمضانية في الإمارات، شكل خاص عند الأطفال؛ حيث يخرجون للعب في الساحات والأحياء، ويكثر عندهم استخدام الألعاب النارية، والمفرقعات بمختلف أنواعها، فبعضها ينفجر في الجو محدثًا أصواتًا عالية، وبعضها يتحول إلى نجوم زاهية الألوان، وبعضها يقذف شرارات مختلفة، ولا تكاد ليلة تخلو من استخدام هذه الألعاب التي تضفي على الجو بهجة في قلوب الجميع.
ومن الملامح المميزة لهذا الشعب الكريم؛ كثرة نصب الخيام على الشواطئ، وفي البراري للجلوس هناك، والترويح عن النفس، بعد إتمام العبادة، ويتلذذ الناس بهجر البنيان والعودة إلى الأصالة، وعادةً ما تكون هذه المجالس مجهزة بوسائل الراحة، ويدور فيها الحديث عن مختلف جوانب الحياة، ويفضل الكثيرون ممارسة أنواع الرياضة؛ لتساعدهم على هضم المأكولات، وتحقيقًا للمتعة والترفيه، ومن أشهر هذه الألعاب؛ كرة القدم والكرة الطائرة.
ويوجد في الإمارات ما يُسمى بـ«المهرجانات الرمضانية»، وهي مهرجانات شرائية تنصب فيها الخيام، ويأتي فيها البائعون من الداخل والخارج، ويتقاطر الناس من كل مكان؛ ليشاهدوا الجديد والغريب من البضائع والمنتجات.
البسمة لا تفارق وجه الإندونيسيين
عندما تثبت رؤية هلال شهر رمضان في إندونيسيا؛ يعلن عن ذلك رسميًا بواسطة وزارة الشؤون الدينية، ويقوم الأفراد بقرع الطبول داخل المساجد حتى السحور؛ احتفالًا بقدوم الشهر المبارك، كما تبدأ التهاني، والمباركات، وتعم الفرحة والبهجة الجميع، وتجسد تلك المظاهر، عبارات، تتدوالها الألسنة، مثل: «أهلًا يا رمضان» و«مرحبًا يا رمضان»، وتنشط حلقات العلم، وتلاوة القرآن من أول رمضان إلى آخره.
تزدحم المساجد بالمصلين وطلبة العلم، الذين يتسابقون في حضور مجالس العلماء، وهم في أغلبهم من علماء إندونيسيا، الذين تلقوا علومهم الإسلامية في بعض الدول العربية، ويلاحظ تواجد الدعاة بكثافة في تلك البقاع، حيث يتنقلون من مكان إلى آخر، داعين إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.


