هنا «جريس».. أقدم فاخورة مصرية
طين الأرض يتحدى الحداثة.. قرية «جريس» بالمنوفية قلعة صناعة الفخار

حوار: عاطف سعد // وابامز
صناعة الأواني الفخارية أو «الفواخير» كما يطلق عليها «أهل الصنعة» في منشأها الرئيسي في قرية جريس، بدهاليز محافظة المنوفية، في دلتا مصر، هي صناعة قديمة قِدَم الإنسان والتاريخ.
وعلى الرغم من وجود مراكز ومعاقل أخرى لفن صناعة الفخار في «المحروسة» القديمة، وسمنود بمحافظة الغربية، وقرى محافظة قنا، ومركز الزقازيق بالشرقية، وكذلك في أسوان؛ إلا أن «جريس» بالمنوفية، تعد منشأ تلك الصناعة، ونواة لإخراج فنانيها إلى كل ربوع مصر، رغم كون الصناعة حية وموجودة؛ إلا أنها بدأت تتراجع، ويقل الإقبال من شباب القرية ورجالها على الاشتغال بها، حتى النساء.
هذا الفن، له جذوره الممتدة، والمستمدة من عبق التاريخ، وتجبرك جاذبيته وإبهاره على التحديق فيما يجري أمامك في لحظات، وبوسائل بدائية، وبلمسات ساحرة، تتشكل من طين الأرض والصلصال؛ لتنتج أشكالا فنية مبهرة، تغزو ربوع العالم كله، وليس مصر وحدها.
ما أن تطأ قدماك أرض تلك القرية الفقيرة في أعماق الريف المصري؛ حتى يذهلك ما تشاهده من تناقض غريب في الطرازات المعمارية الحديثة، التي تجدها متراصة، إلى جوار أنقاض بيوت قديمة متهالكة من طابق واحد، وذات حوائط متهدلة، ومبانٍ متهتكة، قوامها الطين والطوب اللبن؛ كدليل على بدء انقراض الصناعة من القرية التاريخية، إلا أن منطقة الفواخير بالقرية الرابضة في أطراف «المنوفية»، لا تزال موجودة بمبانيها العتيقة، وحوائطها القديمة، وأمام كل منزل، يقبع أحد الأفران، التي يصل ارتفاعه إلى طابقين، ولا يزيد عرضه على الأمتار الأربعة.

المشتغلون بتلك الصناعة تحدثوا لـ«الوشم الأوسط»، وأرجعو خفوت نجم الصناعة، وقلة تصديرها إلى خارج، إلى تراجع الطلب على منتجات الفخار، مع ازدهار صناعات ومنتجات البلاستيك والخزف والألومنيوم، وانتشار المبردات وغيرها من منتجات الصناعة الحديثة، وتراجعت معها صناعات يدوية وتراثية أخرى، اشتهرت بها محافظة المنوفية دون غيرها من محافظات مصر، كـ«صناعة الخوص» في شنوان، و«الصدف المطعم» في ساقية المنقذي، و«السجاد اليدوي» في ساقية أبي شعرة.
صناعة الفخار
أحد أكبر الصناع في القرية المصرية (جريس)، ويدعى «عادل محمود»، شرح لـ«الوشم الأوسط» كيف يتم صنع الفخار عن طريق نخل تراب التربة الطينية، ثم تعتيقه وإعادة تنقيته من الشوائب والحصوات الطينية، ثم عجنه بالماء، وتشكيله في اليوم الثاني؛ ليتم هرسه وتقليبه في مجهود شاق، حتى يصبح لينًا كـ«عجينة الخبز» في اليوم الثالث، في مرحلة تسمى «الدوس».
ويقول عادل محمود: تشكيل المنتجات يتم بواسطة آلة بدائية تسمى «الدولاب»، حيث يجلس الصانع على أريكة، ويركل بقدمه قرصًا دائريًا، فيما تتولى يديه تشكيل العجينة المثبتة على قرص دائري آخر في متناول يديه، في مهارة وإتقان يثبته عامل الوقت والممارسة، وبعد التشكيل؛ يخرج الفخار لتشرف عليه أشعة الشمس، ليجف خلال يومين، وعند تماسكه؛ يتم إعادة ترميمه، عند الشك في وجود أي عيوب صناعة به، أو دخول ذرات الرمل إليه؛ ليتم إدخاله إلى فرن بدائي من طابقين يتسع لـ 1200 قطعة مختلفة- حسب حجم المنتجات وحجم الفرن ذاته- وله فتحة كبيرة في أعلاه، يدخل منها المنتج الفخاري، وهو عجينة، ويخرج منها بعد أن يوقد عليه ليومين كاملين، في درجة حرارة بسيطة، قبل أن يوقد عليه بشدة لـ4 ساعات كاملة.

ويؤكد أنه، رغم كون الصناعة بدائية، وتبدو لمن لا يعمل بها بسيطة؛ إلا أنها تستغرق مراحل كثيرة، فصناعة «القُلَّة» الواحدة، تستغرق 4 أيام، وتمر بـ4 مراحل لإنتاجها، و«قادوس الحمام» و«الطواجن» تتم على مرحلتين، وكذلك «آواني الزرع» و«صواريخ لاصطياد الفئران» و«زينة البنايات الحديثة».
أما منتجات «الخزف الفخاري» الذي تهواه الكثير من الدول العربية، والخليجية خاصة؛ فيستخدم فيها الصلصال في تشكيلها، كصناعة «الأباجورات، والطفايات، والشمعدان، والتماثيل النحتية، وديكورات القصور، وواجهات البنايات الحديثة، وأكواب الشراب الفخارية، وأحجار الشيشة»، فهي الأكثر طلبًا وشيوعًا؛ لارتباطها بالتصدير إلى الخارج، وإقبال السياح على شرائها، كما تدخل مسابقات دولية ومحلية كـ«تراث فني شعبي مصري أصيل» لم تمتد إليه يد الآلة الحديثة.
و«طينة الصلصال» مُكلِّفَة، ويؤتي بها من محافظة أسوان (جنوب مصر)، ويتم طحنها بواسطة فرامات خاصة بمصر العتيقة، أو مطارق حديدية، ثم يتم خلطها بالماء، وإعادة تدويرها وعجنها؛ لتدخل ضمن منظومة الصناعة المبهرة.
التاريخ والحاضر
تعيش صناعة الفواخير، أزمة، بين الحاضر والمدنية الحديثة، وبين الماضي العتيق بعبقه وتراثه، وتعد تلك الصناعة، من خير الشواهد على الصراع بين القِدَم والحداثة.

الشيخ فوزي غنيم، أحد أقدم الصناع المشتغلين بالفخار منذ قديم الأزل في مصر، أكد لـ«الوشم الأوسط» أن الفخار، صناعة يرجع تاريخها في القرية (جريس) لأكثر من 200 عام، وربما أكثر من ذلك، وأنها تأثرت بـ«عدم الاستهلاك، وقلة الطلب على منتجاتها، وقلة عدد الصناع، وسعى الصانعين إلى إدراك سبل المال» دون الاهتمام بالفن التراثي الذي أسسه الأجداد في القرية المصرية، وأبدعوا في تشكيله، وسط تفضيل الجمهور لمنتجات «البلاستيك، والصيني، والألومنيوم، والزجاج» على منتجات «الفواخير».
وقال إن المشتري يفضل اقتناء «أباريق أو شمعدانات أو برادات أو طفايات أو تحف» من الزجاج أو البلور أو أي منتج آخر، بعيدًا عن الفخاريات، التي أصبحت تنتج بحسب الطلب عليها.
وتراجع الاهتمام بالصناعة من صناعها والقائمين عليها؛ بعد أن حاولت الدولة المصرية في عهد الرئيس الراحل، محمد حسني مبارك، بذا الجهود لرعايتها وتصدير منتجاتها، لا سيما، بعد زيارة رئيس مجلس الوزراء الأسبق الدكتور كمال الجنزوري، ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي الأسبق الدكتور يوسف والي، في عام 1994م.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح لتلك الصناعة، مكانًا في المعارض المحلية والدولية، خاصة «مهرجان الأقصر للفنون الشعبية والتراثية» و«مهرجانات التسوق والمعارض التي تقام كل عام» في القاهرة وخارجها، حتى أن وزارة الثقافة، بالتعاون مع جامعة القاهرة، ووزارة التجارة الخارجية، نظمت لنا (نحن صناع الفخار على مستوى محافظات مصر) محاضرات، في منطقة جامع عمرو بمصر القديمة عام 2005م، شَرَح لنا فيها أساتذة كليات الفنون الجميلة والتشكيلية ونحاتين محترفين، كيف نستطيع الرسم والنحت والتشكيل بالكتابة على الفخاريات، وأدركت وقتها، كمَّ القصور في حق أنفسنا، وأن تلك الصناعة وفنها، تحتاج إلى التطبيق العلمي، إضافة إلى رصيدنا الفطري، وخبرات السنين في تشكيل الفخار والإبداع فيه.

ويرى الشيخ فوزي غنيم، أن الأزمة في تراجع الاهتمام بالصناعة وقلة رواجها؛ يكمن في أزمة التسويق أيضًا، فلا أسواق حية لتلك المنتجات التاريخية والقيمة، فيما يلجأ الكثير من الصناع إلى تخزين منتجاتهم إلى وقت طلبها في مواسم الصيف، مع «ازدهار حركة السياحة، وطلبات الفنادق والشركات والمؤسسات في الخارج»، خاصة «الصاروخ»، وهو إناء فخاري مستدير، مفتوح من الجانبين، يوضع على الأرض، ويُملأ نصفه بالطعام المسموم والمعالج بالكيماويات× لاصطياد الحشرات والفئران، وهو أفضل من المواسير البلاستيكية في هذا الغرض؛ لكونه يحمل شكلًا جماليًا بديعًا، ومستوحى من الطبيعة، فضلًا عن أن تلك الصناعة، أخرجت للبشرية أول موقد طبيعي من الفخار، وهو «الكانون» المصنوع بكامله من الفخار.
الفنان يتفوق على ذاته
ورغم أن الصناعة تواجه حربًا من صناعات أخرى تنافسها، وتقضي عليها، في صراع محموم بين الماضي والحاضر؛ إلا أن هناك فنانين شبان، لهم باع، وذاع صيتهم في تلك القرية، وحصدوا جوائز من مهرجانات سابقة، مثل مهرجان الأقصر للفنون الشعبية والتراث.
«عمرو أحمد»، في الثلاثين من عمره، أجاد وتفوق في صناعة التحف والأنتيكات الفخارية والتماثيل والنحت لكل ما تقع عليه عيناه من إنسان أو حيوان أو طيور أو جماد.
ويُرجع «عمرو أحمد» فنون صناعة الفخار، إلى نوع التربة المستخدمة في الصناعة، والتي تميز المقبول في منتجات الفخار، فـ«القلل» تتأثر بالتراب الأسمر، عن المخلوط بالرمل، ومنها «القلل الأحمر والأبيض والسمنودي» فضلا عن «القناوي الأبيض» التي تعد غالية الثمن والتكلفة؛ لأن طينتها تأتي من العريش.
وللقلل والآواني الفخارية، أسماء، لدى صناعها، يميزونها بها، فمنها «القلة المشربية» وهي المرتفعة الرأس، و«ذات الأذن»، و«الموريس أو المستديرة» نسبة إلى أحد أنواع الأسلحة الشهيرة، وتدهن القلل ومنتجات الفواخير عامة بـ«السيبداج»، وهي مادة كيميائية بيضاء، تستخدم في طلاء المنازل، وكانوا قديمًا يطلونها بـ«مطحون الأحجار البيضاء» بعد تكسيرها بالهراوات الحديدية الضخمة، إلا أن قلة عدد الأحجار، وتراجع أعداد العاملين في الصناعة؛ جعلا من العسير والشاق تكسير الأحجار، إضافة إلى عجن الطين يوميًا وتصنيعه.

أما المنتجات كـ«طواجن اللبن والأباريق»؛ فيقتصر إنتاجها على منتجات التصدير والمعارض، التي تراجع الإقبال على إقامتها، وحتى روادها، أصبحوا قليلون؛ نتيجة انصراف العديد من أبناء تلك الصناعة، إلى الاشتغال بأعمال أخرى، كالوظائف والأعمال الحرة والتجارة، دون الاهتمام بصناعة، احترفها أجدادهم، وأبهروا بها العالم.
وأضاف: نلت العديد من الجوائز، منها من مهرجان الأقصر للفنون الشعبية والتراث، وشهادات تكريم عن تماثيل «الفلاح المصري» و«حامل القربة» و«سيدة الدار» و«شمعدان الحياة»، وغيرها من التحف التي أنتظر أن تلقى فرصة لترويجها عالميًا.
واختتم قائلًا: لدي من الأفكار والأشكال ما لا يتخيله بشر، أريد أن يراها العالم، لكن التشجيع والتقدير؛ يجعلانك تبدع وتتقدم، أما الخفوت والبوار؛ يجعلان أفكارك تصدأ، وعزيمتك تفتر.


