بإرادة وطموح لا حدود لهما.. السعودية تستبق أزمات الاقتصاد العالمي بخطوة

عاطف سعد // وابامز
ربما يُصبح عام 2023 عام الركود للاقتصاد العالمي، مع التحذيرات الأخيرة التي أطلقها البنك الدولي خلال شهر يناير الجاري، مقلصًا خلالها توقعاته للنمو، لكن هذا لا ينطبق على ما ينتظر المملكة العربية السعودية في العام الجاري، دائمًا “العقول التي تخطط بجد وإخلاص لا تشقى سواعدها”.
يرجع معدّل النمو السريع في المملكة العربية السعودية خلال السنوات العشر الأخيرة إلى أسباب؛ أهمها الإرادة السياسية ممثلة برغبة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، في النهوض بالاقتصاد السعودي لأعلى مستوى، وكذلك نجاح رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد قبل سنوات وارتفاع أسعار النفط عالميًّا وتنويع مصادر الدخل القومي التي كانت في السابق تعتمد بصورة شبه رئيسية على البترول والاهتمام بقطاعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر ودعم السياحة والاستثمار ومبادرات حماية البيئة والاقتصاد الأخضر.
توقعات البنك الدولي
توقّع الباحث في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية، أبو بكر الديب، أن يشهد الاقتصاد السعودي انتعاشًا كبيرًا في عام 2023، مدفوعًا بالإصلاحات الاقتصادية والمالية، وبرؤيتَي 2030 و2040، مستفيدًا من اتفاق أوبك+ بتخفيض إنتاج النفط وارتفاع أسعاره وتخطّيه تداعيات جائحة كورونا، قائلًا إن معدّل نمو أكبر اقتصاد في المنطقة، ربما يزيد على 5% العام المقبل.
قال أبو بكر الديب، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، إن التعافي الاقتصادي بالمملكة العربية السعودية يسير في اتجاه تصاعدي مع تراجع معدلات البطالة والتضخم في النصف الثاني من عام 2022، فضلًا عن سعي المملكة لرفع مساهمة منظومة الطاقة في الناتج المحلي الإجمالي من خلال العمل على خطط لتوطين المعدات والخدمات وتطوير وتأهيل القوى الوطنية والتحول إلى الطاقة النظيفة، بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030 وتسارع معدل النمو للقطاع الخاص غير النفطي في المملكة إلى أقوى معدلاته في 7 سنوات.
وفقًا للأرقام، خفض البنك الدولي تقديراته لنمو إجمالي الناتج المحلي العالمي بنحو النصف إلى 1.7%. وعلّل رؤيته باحتمال أن يؤدي التباطؤ الملحوظ في الاقتصادات المتقدمة إلى ركود عالمي بعد أقل من 3 سنوات على آخر ركود تسبّبت به جائحة “كورونا”، مشيرًا إلى خفض توقعاته المتعلّقة بالولايات المتحدة ومنطقة اليورو إلى 0.5%. وفي تقريره السّابق عن آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في يونيو 2022، كان البنك الدولي قد تنبّأ بحدوث نمو عالمي بمعدل 3% في 2023.
أشار البنك الدولي إلى أنه في ظل هذه الظروف الاقتصادية الهشّة، يمكن أن تتوقّف عجلة الاقتصاد العالمي عن الدوران متأثرة بأي تطورات سلبية جديدة، من قبيل ارتفاع التضخم إلى مستويات أعلى من المتوقع أو ازدياد أسعار الفائدة بصورة مفاجئة لاحتواء هذا التضخم أو عودة ظهور “كوفيد-19” أو تنامي التوترات الجيوسياسية.
اليوم، من المرجح أيضًا تسجيل ثالث أضعف توسع سنوي منذ ثلاثة عقود. ووفق البنك الدولي نفسه، قد تتفادى الولايات المتحدة ذلك الركود هذا العام، لكنها ستتعرض حتمًا لمزيد من الاضطرابات في سلاسل التوريد إذا استمر المنحى التصاعدي لانتشار “كورونا” أو تفاقمت حدة الصراع في أوكرانيا، واستطرادًا، ستعاني أوروبا الأمرين؛ فهي تعدّ مُصدرًا رئيسيًّا للصين.
كما سيلقي الانكماش العالمي بثقل كبير على البلدان الشديدة الفقر في مناطق كالصحراء الإفريقية؛ حيث يتوقع لنصيب الفرد من الدخل أن يرتفع بـ1.2% في 2023 و2024. ويعد ذلك الرقم ضعيفًا مبدئيًّا وقد تنتج عنه زيادة في معدلات الفقر المدقع.
نمو الناتج المحلي
في الوقت الذي أعاد فيه البنك الدولي النظر في مؤشرات النمو المتوقعة لـ2023، أبقى على تقديراته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بالمملكة العربية السعودية عند 3.7% خلال العام 2023. كما توقّع البنك في أحدث تقرير له في 2023 عن الآفاق الاقتصادية العالمية، نمو اقتصاد المملكة العربية السعودية بنسبة 2.3% خلال عام 2024.
في سياق متصل، يقول الباحث الاقتصادي حسام عيد: “تواصِل محركات الاقتصاد الوطني السعودي، تحقيق قفزات نوعية حتى في عز الأزمة العالمية ككل، ما يعزز الاعتقاد بأن اقتصادها يتمتّع بمستويات نمو مقبولة ضمن مسارها في تحقيق أهداف رؤية 2030”.

ترى المؤسسات الدولية ذات الصلة أنّ الأداء الاقتصادي السعودي الصحي، سيؤمّن للبلاد مزيدًا من القوة ليس فقط لتحقيق نمو مستدام، بل للحفاظ على النمو لفترات طويلة، حتى في ظل العثرات الاقتصادية العالمية الراهنة.
أضاف الباحث حسام عيد، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”: “على أرض الواقع ووفق المعطيات؛ الآمال مبشّرة بالخير والتفاؤل إيجابي للعام 2023، ورغم الإشكالات الاقتصادية العالمية في الأعوام 2020-2021-2022 فإن الاقتصاد السعودي استطاع أن يتجاوز كل التحديات بكفاءة عالية ومرونة تنافسية كبيرة”.
تابع عيد قائلًا: “نجح الاقتصاد السعودي في خلق تنويع اقتصادي لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتنويع مصادر الدخل ضمن رؤية المملكة 2030، فضلًا عن نجاح برنامج التوازن المالي، حيث كانت استراتيجية تحقيق التوازن المالي جزءًا لا يتجزأ من تلك الخطط، وهو ما أفضى إلى تحقيق فائض في الميزانية يقدّر بـ102 مليار ريال”.
أرقام واعدة
تراجُع إجمالي الدين العام في المملكة إلى 24.9% من الناتج المحلي بنهاية 2022 نتيجة السياسات والإجراءات الواقعية والمنطقية التي اتخذتها الحكومة.
بالنظر إلى مسار التجارة العالمية والشراكات الدولية؛ تنتهج المملكة أسلوبها الأفقي المتميّز والمبني على المصالح المشتركة، مما يُسهم بدوره في ثبات واستقرار تلك الشراكات التي تنعكس على فعالية القيمة المضافة للاقتصاد السعودي؛ حيث وقّعت الكثير مِن المبادرات والبرامج والشراكات الاستراتيجية مع العديد من دول العالم بما فيها الدول المتقدمة اقتصاديًّا.
رؤية 2030
تقرير سابق لوكالة التصنيف الائتماني “فيتش”، أكد أن احتفاظ السعودية باحتياطي مالي كبير يعد داعمًا لتصنيفها ويوفّر قدرًا أكبر من المرونة لتيسير احتياجات التمويل العام، في ظل عدم ارتفاع عائدات النفط واستهداف المملكة احتياطيًّا ماليًّا في البنك المركزي بقيمة 350 مليار ريال في عام 2022، وهو ما يُشكّل نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع أن يرتفع على المدى المتوسط، وهو ما يؤكّد إيجابية التوجهات المستقبلية للسياسات المالية التي تسعى المملكة إلى انتهاجها امتدادًا للإجراءات والإصلاحات الهيكلية التي اتخذتها المملكة خلال الأعوام الخمسة الماضية.
نجحت رؤية 2030 في تمكين المملكة العربية السعودية من تحقيق إنجاز مهم جدًّا في مجال الأمن السيبراني، وهو حصولها على المركز الثاني عالميًّا من بين 193 دولة والأولى عربيًّا وشرق أوسطيًّا بل وعلى مستوى قارة آسيا وفقًا للمؤشر العالمي للأمن السيبراني، الذي يصدر عن وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المعروفة بـ”الاتحاد الدولي للاتصالات”.
أيضًا اهتمت رؤية 2030 بإيجاد استراتيجية وسياسات وخطط ومعايير وطنية للأمن السيبراني، وحرصت على توافر عملية التدريب والتأهيل للكوادر وإيجاد بنية تشريعية وقانونية لذلك، وأنشأت مركزًا للأمن السيبراني، وعملت على تصنيف البيانات وحمايتها والحوسبة السحابية، ما يدلل على قوة استراتيجية الاستثمار التي أطلقها مؤخرًا، ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، قائلًا إنها أدخلت السعودية عصر الثورة الصناعية. وتعد الاستراتيجية الوطنية للاستثمار أحد الممكنات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
أوضح الباحث أبو بكر الديب، أن الاستراتيجية تشمل ضخ استثمارات تفوق 12 تريليون ريال (3.2 تريليون دولار أمريكي) في الاقتصاد المحلي حتى العام 2030، وتوفير 5 تريليونات ريال سعودي من مبادرات ومشاريع برنامج شريك، و3 تريليونات ريال من صندوق الاستثمارات مخصّصة للاستمارات المحلية، و4 تريليونات ريال من استثمارات الشركات تحت مظلة الاستراتيجية الوطنية للاستثمار.

أضاف الديب أن الاستراتيجية تشمل أيضًا ضخ نحو 10 تريليونات ريال أخرى من الإنفاق الحكومي من خلال الميزانية العامة للدولة خلال الأعوام العشرة القادمة و5 تريليونات ريال أخرى من الإنفاق الاستهلاكي الخاص لنفس الفترة، ليشكّل إجمالي هذا الإنفاق ما يقارب 27 تريليون ريال (7.2 تريليون دولار) حتى العام 2030، ما يرفع نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة من 22% في عام 2019 إلى 30% في عام 2030، الأمر الذي سيُسهم في نمو الاقتصاد السعودي ليصبح من أكبر 15 اقتصادًا على مستوى العالم ويهدف إلى رفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 388 مليار ريال سنويًّا، وزيادة الاستثمار المحلي ليصل إلى نحو 1.7 تريليون ريال سنويًّا بحلول عام 2030.
صناعة التعدين
تؤكّد العديد من المعطيات المستمدة من العمل على أرض الواقع، أن السعودية ستقود صناعة التعدين في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة بفضل رؤية 2030.
كشفت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية، أن الثروات المعدنية في المملكة تنتشر في أكثر من 5.300 موقع، وتقدّر قيمتها بنحو 5 تريليونات ريال، (1.3 تريلون دولار)، بما في ذلك عدد مِن المعادن الأكثر وفرة مثل: الذهب، الفضة، النحاس، الزنك، الفوسفات، البوكسايت، الحجر الجيري، رمل السيليكا، الفلسبار، وصخور الزينة المستخدَمَة في واجهات المباني مثل الجرانيت، كما أن المملكة تنتج العديد من المعادن والمنتجات المعدنية التي لها دور مهم في تطوير سلاسل القيمة للمعادن الفلزية؛ كالحديد، الألمنيوم، النحاس، الزنك، الذهب، وكذلك منتجات المعادن اللافلزية، مثل: الأسمدة الفوسفاتية، الأسمنت، الزجاج، والسيراميك.
الاستراتيجية الوطنية للاستثمار
تعد الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤخرًا، أحد الممكنات الرئيسية لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، كونها تدخل المملكة عصر الثورة الصناعية وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
يشهد المواطن السعودي مسيرة عطاء وتنمية، وإنجازات في القطاع الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خلال الأعوام الأخيرة، وسط تنبؤات بالأفضل اقتصاديًّا مهما كانت المعوقات والأزمات العالمية، وهو ما يدلل بشدّةٍ أن فترة ولاية خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، أحدثت تطورًا مذهلًا في شتى مجالات الحياة بالمملكة؛ سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، وجعلت السعودية تتربع على عرش اقتصاد الشرق الأوسط وتمثل مع مصر ودولة الإمارات محورًا مهمًّا لحل مشكلات المنطقة.
تعزّز الأرقام والمؤشّرات ازدهار المملكة العربية السعودية بشكل كبير، خلال العشرين سنة المقبلة، بسبب رؤيتي المملكة الاقتصادية 2030 و2040 اللتين أطلقهما “الرجل الطموح”، ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وتتضمنان خارطة طريق قوية تسير وفق خطوات مدروسة بعناية، لتحقيق أهداف السعودية في الاقتصاد والتنمية، خلال الـ15 سنة المقبلة.


