التضخم يتزايد شهريًّا.. متى توقِف روسيا نزيف الاقتصاد الأمريكي بإنهاء حرب أوكرانيا؟

عاطف سعد// وابامز
تزايَد معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية مسجلًا أعلى مستوى له منذ ديسمبر 1981، بحسب ما بينت وزارة العمل الأمريكية (الجمعة 10 يونيو 2022). وسجل التضخم في بلاد “العم سام” مستويات قياسية في أمريكا، آخر 4 عقود، متأثرًا بآثار سلبية اقتصاديًّا ناجمة عن جائحة “كورونا” التي بدأت في العام 2020، فضلًا عن توابع الحرب الروسية الأوكرانية في ظل اشتعال الأسعار، خاصةً البنزين، لتتفاقم أزمة الطاقة في حال طول أمد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا التي بدأت (فجر الخميس 24 فبراير 2022)، مشعلةً العديد من الأزمات في العالم، أهمها الغذاء والوقود.
وقبل أيام، توقع البيت الأبيض أن تظهر البيانات الاقتصادية المقبلة أرقام تضخم مرتفعة في الولايات المتحدة، ووفقًا لوزارة العمل الأمريكية، ارتفعت أسعار المستهلك مؤشر CPI بنسبة 8.6% في مايو المنقضي مقارنةً بنفس الشهر من العام 2021، وأثر ارتفاع التضخم بشكل كبير على القدرة الشرائية وعلى أحوال الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل في أمريكا التي تعاني من ارتفاع أسعار الغذاء والغاز والإيجارات، وكلها أمور مرتبطة بحرب أوكرانيا، وفقًا لما ذكرته مجلة “بولتيكو”.

وسجل المؤشر 8.3% في أبريل 2022، وجاءت بيانات التضخم مرتفعةً وأعلى من توقعات الخبراء، لتؤكد صعوبة الموقف الاقتصادي في أمريكا، وكان محللون استطلعت وكالة «بلومبرج» آراءهم توقعوا ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة 8.3% في المتوسط.
أسعار ملتهبة
قفزت الأسعار في الولايات المتحدة الأمريكية، على أساس شهري بنسبة 1% من أبريل إلى مايو 2022، وهو ارتفاع حاد من 0.3% من مارس إلى أبريل الماضي، ويتحمل معظم تلك الزيارة الارتفاع الكبير في أسعار الغاز، وذكرت مجلة “بوليتيكو” أن الأمريكيين من ذوي الدخل المنخفض والأمريكيين من أصل لاتيني والسود تحديدًا هم الأكثر معاناةً، لأن نسبة أكبر من دخلهم تستهلك في المتوسط من خلال ضروريات الحياة (المأكل والمشرب والوقود والكساء).
ويتوقع خبراء الاقتصاد بأن يتراجع التضخم في 2022، لكن ليس بدرجة كبيرة، وتنبأ محللون بأن مقياس التضخم الذي أعلنته الحكومة الأمريكية (الجمعة 10 يونيو الجاري) -مؤشر أسعار المستهلك- قد ينخفض إلى أقل من 7% بحلول نهاية العام.
مواجهة التضخم
يرى الباحث الاقتصادي، وليد فاروق، أن البنك المركزي الأمريكي يحاول كبح جماح نسبة التضخم البالغة 8.6% في الاقتصاد الأمريكي، وتعد الأعلى منذ 40 عامًا، وتوقع أن يكون هناك مزيد من الزيادات في سعر الفائدة خلال العام 2022.
وقال عمرو فاروق، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، إن هذه الزيادة تضع المزيد من الضغوط على اقتصادات الدول الناشئة، ومن بينها مصر وأغلب الدول العربية، فقد تتعرض لمخاطر خروج الأموال الساخنة (الأموال التي تضارب في الأسواق العربية أو الأسواق الناشئة، وبالتالي ارتفاع أسعار الفائدة في منطقة ما، تجد تلك الأموال تهرب إلى من يحقق لها معدلات فائدة أعلى)، وإضعاف العملات، فضلًا عن زيادة تكلفة الاقتراض وخدمة الديون خاصةً الدول التي لديها حجم دين خارجي كبير، كما ستتعرض بعض العملات الأخرى لمزيد من الضغط، مما يدفع بعض البنوك المركزية لرفع سعر الفائدة أيضًا على عملاتها.
وقد تؤدي هذه الخطوة إلى ركود اقتصادي تجاري عالمي، خاصةً مع مخاطر عدم الاستقرار في سلاسل الإمداد العالمية، والطلب المرتبط بتبعات الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على أسعار السلع الأساسية من الغذاء إلى الطاقة والضغوط الأوسع على الأسعار.
توابع الحرب الروسية الأوكرانية
قالت رئيس قسم الاقتصاد ببوابة دار الهلال الإخبارية، أنديانا خالد، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، إن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تعد الأزمة الاقتصادية الثانية بعد تداعيات جائحة “كورونا”، إذ بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية في يونيو 2021 بعد تعافي دول العالم من انتشار فيروس “كورونا” وعادت الحياة إلى طبيعتها.
فيما تسبب ارتفاع الطلب على شراء السلع وسط تراجع المعروض نتيجة غلق المصانع وقت جائحة “كورونا”، في الارتفاع المستمر بمعدلات التضخم العالمي بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الشحن عالميًّا، وهو ما جعل البنك الفيدرالي الأمريكي يتخذ قرارًا بتنفيذ برنامج تقليص المشتريات (أي وقف طباعة الدولار) بحيث ينتهي في مارس 2022 على أن يرفع سعر الفائدة وهذا ما حدث، لكن القرار جاء بعد اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية بشهور، وهو ما جعل البنك الفيدرالي الأمريكي يسرع من قرار رفع الفائدة بمعدل نصف بالمئة، إلا أن حرب العقوبات الاقتصادية بين روسيا والغرب وشراء الغاز الروسي بالروبل دون الدولار أو اليورو واستمرار أزمة الوقود دون بديل قوي عطلت خطوط الإنتاج في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز الروسي. وتفاقم أزمة الحبوب بسبب أزمات تواجه سلاسل الإمداد ومسارات التجارة من روسيا وأوكرانيا بفعل العقوبات الغربية سيكون له دور كبير في زيادة معدلات التضخم في دول الغرب وأولها أمريكا بصورة أكبر.
توصيات
زيادة مستوى التضخم الأمريكي بصورة غير مسبوقة في آخر 4 عقود لن تكون الأخيرة في عام 2022، وأصبحت جميع الأنظمة الاقتصادية مطالبة بترشيد الاستهلاك والإنفاق وإعادة ترتيب أولويات الشراء والاستيراد والاعتماد بشكل أكبر على قطاعات إنتاجية قوية اقتصاديًّا؛ أهمها الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر حتى انتهاء الأزمة التي تعرقل الدول القوية اقتصاديًّا، بينها أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، كما ستضرب الكثير من الدول الناشئة اقتصاديًّا.


