تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على أداء الاقتصاد الفرنسي

عاطف سعد// وابامز

 تعاني دول أوروبا على درجات متفاوتة من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت الشهر الرابع (بدأت فجر الخميس 24 فبراير 2022)، وبالنظر إلى آثار العملية العسكرية التي يشنها الجيش الروسي، سنجد أن الأمر مرتبط أساسًا باعتماد القارة العجوز بشكل أساسي على الوقود والغاز الروسي؛ ففرنسا التي تعتمد بنسبة 20% من إمداداتها على الغاز الروسي، أعلنت على لسان وزير الاقتصاد برونو لومير (8 مارس الماضي) أن أسعار الغاز سيتم “تجميدها” حتى نهاية العام 2022 للمستهلكين، فيما يبلغ المتوسط الأوروبي 40% بينما تعتمد بعض الدول كليًّا عليه؛ مثل فنلندا التي تحصل على إمداداتها من الغاز بنسبة 100% من الدب الروسي.

منذ اندلاع الأزمة بين موسكو وكييف، سارعت هيئات فرنسية إلى دق ناقوس الخطر لاحتواء التداعيات السلبية للأزمة على المواطن الفرنسي في الشارع، وأعلنت الرابطة الوطنية الفرنسية للمنتجات الغذائية، أن حكومة إيمانويل ماكرون مطالبة بتخفيف تأثير الأزمة عن كاهل الفرنسيين، خاصةً إزاء ارتفاع الأسعار وتراجع إمدادات الغاز والغذاء؛ لتقرر الحكومة في باريس ضخ مساعدات بقيمة ملياري يورو لدعم أسعار الوقود من خلال دعم فاتورة خزانات السيارات في محطات التزود بالوقود، وفقًا لوكالة “فرانس برس”.

تداعيات خطيرة في القارة العجوز

يقول الباحث الاقتصادي حسام عيد أبو نعمة: “يمكن أن تكون للحرب الروسية الأوكرانية تداعيات وجودية على بقاء الاتحاد الأوروبي ذاته وليس فقط على رفاهية شعوب دوله، ورغم تفاوت التقديرات على مدى تأثير العقوبات الغربية الواسعة ضد موسكو على اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي الـ27، فإنها تبدو ثقيلة حتى في أدنى مستوياتها”.

منذ اندلاع الأزمة بين موسكو وكييف، سارعت هيئات فرنسية إلى دق ناقوس الخطر
منذ اندلاع الأزمة بين موسكو وكييف، سارعت هيئات فرنسية إلى دق ناقوس الخطر

ووفقًا لتقديرات مصلحة الإحصاء الأوروبي “يورو ستات”، فإن النمو الاقتصادي الأوروبي سيتعرض لخسارة تتراوح بين 0.5% و1% من ناتجه المحلي خلال العام الجاري، أي ما يتراوح بين 895 مليار دولار و1.79 تريليون دولار، المفارقة هنا أن هذه الخسارة المتوقعة خلال عام واحد أعلى بكثيرٍ من خسائر أوروبا خلال 40 عامًا كاملة نتيجة التقلبات المناخية، حيث تسبّبت العواصف والفيضانات وغيرها مِن التقلبات المناخية الشديدة في أضرار اقتصادية بنحو نصف تريليون يورو فقط في أوروبا بين عامي 1980 و2020، حسب وكالة البيئة الأوروبية.

أوروبا في طريق الخسائر

في تقرير حديث للبنك المركزي الأوروبي، فإن الأزمة الأوكرانية ستخفض النمو الاقتصادي لأوروبا بنسبة 0.7% إلى 3.7% خلال العام الجاري، وبالتالي التأثير على فرنسا سيكون كبيرًا، كما أشار بنك الاستثمار العالمي جولدمان ساكس، إلى أن الحرب ستخفض معدل النمو الاقتصادي لمنطقة دول اليورو بنسبة 1.4%.، هذا بالإضافة إلى التكاليف غير المباشرة؛ مثل تكاليف الأمن والدفاع في دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني زيادة التمويل عبر الاستدانة.

التضخم: يظهر حجم الأثر البالغ الذي تسبّبت به الحرب الروسية الأوكرانية على أوروبا، فقد سجّلت نسبة التضخم في الاتحاد الأوروبي 7.8% وفي منطقة اليورو و7.5%، وذلك في أعلى مستوى منذ 30 عامًا.

تصفية حسابات

يضيف حسام أبو نعمة، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”: “ربما يكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد بدأ يدرك أخيرًا خطورة الارتهان لرغبة الإدارة الأمريكية الديمقراطية في تصفية حساباتها التاريخية مع عدوها التقليدي (روسيا)، عندما أعلن في البرلمان الأوروبي، أنه من أجل “إنهاء الحرب التي يشنها الجيش الروسي في أوكرانيا يجب بناء السلام دون إذلال روسيا”، ربما لأن الرئيس الفرنسي أصبح يدرك أن الرغبة الأمريكية في إذلال روسيا لن تتحقّق إلا عبر إذلال أوروبا أولًا بتدمير اقتصاداتها والاستيلاء على قرارها السياسي، وهذا ما لن تقوى عليه أوروبا ولن تقبل به شعوبها، ولا ستسمح به روسيا وقيادتها”.

أمن “باريس”

تؤدّي الحرب في أوكرانيا إلى تدهور أمن فرنسا، في مواجهة عودة التهديد الوجودي لسكانها وأراضيها، وكذلك لبيئة اقتصادها، الأمر الذي سيؤدّي إلى تغيير في نظام النمو، إذ سيتمّ وضعه تحت علامة الركود التضخمي، وإلى انفجار العولمة في كتل، وهنا يأتي دور الدولة في التعامل مع مخاطر انقطاع الإمدادات في مجالات الطاقة أو المواد الخام أو “الغذاء”.

يتمّ أخذ الاقتصاد الفرنسي في الاتجاه المعاكس، استمرارًا للتعافي التاريخي بنسبة 7٪ في عام 2021، كانت الحكومة تعتمد على نموّ بنسبة 4٪ في عام 2022، ومع ذلك، كانت الزيادة في النشاط صفرًا خلال الربع الأول، في الوقت نفسه، ارتفع التضخم إلى 5.4٪ و7٪ خارج الدرع الذي يحدّ من ارتفاع أسعار الطاقة، التي يمكن أن تبلغ ذروتها نحو 10٪ في نهاية العام 2022، وتمتدّ إلى جميع القطاعات وجميع الجهات الاقتصادية والاجتماعية من خلال عدوى مطالب الأجور.

وتشهد فرنسا صدمة مزدوجة في العرض والطلب، لم يسبق لها مثيل منذ الصدمات النفطية في السبعينيات من القرن الماضي؛ خاصةً الإنتاج وتقلص هوامش الشركات. إذا تمّت تسوية الوضع، فسيكون التعديل النزولي للاستثمار والعمالة أمرًا لا مفرّ منه، وعلى جانب الطلب، يؤدي التضخم إلى فقدان القوة الشرائية مما يقلّل الاستهلاك، لا سيما بالنسبة إلى 20٪ من الأسر الأقل ثراءً الذين استخدموا جميع المدخرات المتراكمة خلال وباء “Covid-19”.

الوضع الحرج

وقع الاقتصاد الفرنسي أخيرًا في مأزق بسبب عجز مزدوج في حساباته الخارجية والعامة، وعلى الرغم من التباطؤ في النشاط، سجّلت التجارة الخارجية اختلالًا قياسيًّا بلغ 31 مليار يورو في الربع الأول و100 مليار خلال 12 شهرًا متداولًا، ونصف التدهور ناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة ونصف الزيادة البالغة 20٪ في واردات السلع الصناعية والمنتجات الزراعية، فضلًا عن فقدان حصة سوق التصدير، وهو ما يتناقض مع المقاومة التي تقدمها ألمانيا التي تملك فائضًا يصل إلى 170 مليار يورو.

جاء الاختيار على نقل جزء كبير من تكلفة التضخم المستورد إلى الدولة الفرنسية بنحو 25 مليار يورو، بينما تهدف الإجراءات الجديدة التي تمّ الإعلان عنها إلى تمديد درع الأسعار والخصم على الوقود أثناء إعداد قسيمة طعام إلى تعبئة مبالغ مماثلة، وبذلك يرتفع العجز العام لعام 2022 من 4.5٪ إلى 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الدين سيتجاوز 114٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

مع خفض توقعات النمو وضبابية الرؤية، ستزيد التأثيرات السلبية على الاقتصاد الفرنسي، في ظل معاناة الصناعة من ارتفاع تكاليف الطاقة وتفاقم قيود الإمدادات نتيجة للغزو الروسي لأوكرانيا، وفقًا لتقرير شهري للبنك المركزي الفرنسي.

توقعات النمو

يتوقّع بنك فرنسا حاليًّا نموًّا اقتصاديًّا مقداره 0.25% فقط في الربع الأول، أي أقل من نصف المعدل الذي كان قد توقعه في شهر مارس الماضي، ويمثّل هذا كذلك انخفاضًا حادًّا عن التوقعات البالغة 0.7% في الأشهر الأخيرة من عام 2021، عندما كان أداء فرنسا الأفضل في أوروبا أثناء التعافي من الوباء.

سجّلت فرنسا بعد التعافي من أزمة “كورونا” نموًّا اقتصاديًّا بلغ 7% خلال 2021، وانخفض معدل البطالة إلى 7% وهو رقم قياسي، وكان اقتصاد أمريكا وفرنسا أفضل اقتصادين أداءً في العالم بعد “كورونا”.

اشتعال البنزين

ومع ارتفاع التكاليف الصناعية، رغم محاولات خفض الإنفاق الحكومي الفرنسي، ستواجه البلاد صدمة اقتصادية قوية إذا ما بدأت أوروبا في إعادة فرض الأولويات الاقتصادية والاهتمام بتنويع مصادر الدخل.

والدليل على ذلك أنه في أعقاب بداية الحرب الروسية الأوكرانية مباشرة، تجاوزت أسعار الديزل في فرنسا أسعار البنزين لأول مرة خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لـ”الوكالة الدولية للطاقة” التي تتخذ من باريس مقرًّا لها، وتقدّم الاستشارات لمعظم الاقتصادات الكبرى. وارتفع سعر الديزل في شمال غرب أوروبا، وقتها إلى أعلى مستوى في ثلاثة عقود على الأقل، حيث وصل إلى 1369.50 دولارًا للطن قبل أن يتراجع، بعد ذلك في ظل مساعٍ حكومية لحل الأزمة.

العجزان مرتبطان

إنّ سياسات الموازنة التوسعية، التي تمّ اتباعها منذ بداية القرن، هي التي أدت إلى زيادة العجز التجاري، ويفسّر دعم الاستهلاك الممول من الدين العام تدهور الميزان التجاري بنسبة 61٪. لقد أضعفت الصناعة من خلال حصرها في دوامة تراكمية من فقدان الحصة السوقية، ونقص القدرة التنافسية والمهارات والاستثمار في الابتكار فقط 36٪ من السلع الصناعية التي تستهلكها الأسر ما زالت تنتج في فرنسا.

ومنذ ذلك الحين، كما حدث خلال حزم التحفيز لعامي 1975 و1981، سيؤدي دعم الاستهلاك من قبل الدولة الفرنسية من خلال إعانات الطاقة والغذاء إلى تضخيم العجز المزدوج، بينما سيستفيد في المقام الأول صادرات المنافسين.

لكن في النهاية سيظلّ السّؤال دائمًا، هل فرنسا والاتحاد الأوروبي قادران على توفير بديل سريع يخفف من آثار الأزمات المتعاقبة بسبب عدم الاعتماد على إمدادات الطاقة الروسية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى