كيف تأثَّرت جهود الوساطة التركية – الفرنسية وسط محاولات إنهاء الحرب الأوكرانية؟

عاطف سعد// وابامز 

تحركت فرنسا وتركيا على خطى الدبلوماسية النشطة خلال الشهور الثلاثة الأخيرة لمحاولة إنهاء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا التي بدأت فجر الخميس 24 فبراير 2022. وعقب الاجتياح الروسي، الأراضي الأوكرانية في حملة عسكرية شاملة، توالت الاتصالات بين الرئيس إيمانويل ماكرون وفلاديمير بوتين لبحث جهود الوساطة، إلا أن الدور الفرنسي وتدخله لإنهاء الحرب تأثر كثيرًا بما تواتر عن جرائم حرب في بوتشا وماريوبول ومدن أوكرانية، بينما استضافت تركيا جولة محادثات بين مسؤولين روس وأوكران وسط ترتيبات للقاء يجمع فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي كجزء من حل الأزمة وإنهاء القتال.

وترى أوكرانيا، حسب تصريحات وزير الخارجية ديمترو كوليبا، أن الدور التركي هو الأنجح في طريق الدبلوماسية ومحاولات إنهاء الحرب بين موسكو وكييف، كما تلقى الرئيس رجب أردوغان إشادة بجهود بلاده الدبلوماسية لحل الأزمة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. على الجانب الآخر، زادت التوترات بين روسيا وفرنسا بعد طرد متبادل للبعثات الدبلوماسية، وقرار روسيا (الأربعاء 18 مايو) طرد 85 مِن موظفي سفارات كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، ردًّا على تحركات مماثلة لتلك الدول وطرد فرنسي لدبلوماسيين روس، وعلقت موسكو على الخطوة بأنها “سلوك مُستفز”، مما يسلِّط الضوء على الأضرار التي لحقت بالعلاقات مع أعضاء الاتحاد الأوروبي البارزين منذ أن شنت حربها على أوكرانيا.

حقيقة وأدوار سياسية

يقول الباحث في الشؤون الدولية، علاء فاروق: “بالنسبة إلى جهود الوساطة فإن الدور الفرنسي من الواضح جدًّا أنه داعم ومنحاز لأوكرانيا بشكلٍ كاملٍ منذ بداية العملية العسكرية الروسية، حتى وإن حاول الرئيس إيمانويل ماكرون الظهور بالعمل من أجل السلام وتبني الحياد السياسي واتصالاته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

وأضاف علاء فاروق، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أن فرنسا جزء من الاتحاد الأوروبي الذي يرعبه أحلام فلاديمير بوتين وتطلعاته للتمدد داخل القارة العجوز، لذا هو يدعم أوكرانيا، وهناك اتفاق على هذه المساندة حتى النهاية، في حين أن تركيا لعبت دورًا بارزًا واستضافت المحادثات التي تمت بين الروس والأوكرانيين، وما زال هناك حراك من الرئيس رجب طيب أردوغان ومن وزارة الخارجية التركية.

وتابع فاروق قائلًا: “كانت تركيا الدولة الأنشط دبلوماسيًّا في الأزمة، وكل نقاط الاتفاق العريضة بين روسيا وأوكرانيا تمت برعاية تركية التي لم تتبنّ موقفًا عدائيًّا ضد الروس منذ البداية رغم عضويتها في حلف الناتو ووظفت جهودها للحصول على اتفاق سلام بين الجارتين، كما أسهمت في تقديم مساعدات إنسانية والعمل على فتح معابر آمنة للمدنيين الأوكران للخروج من دوائر الخطر والقصف الروسي”.

تأثيرات على قوة الحل السياسي

تراجع فرنسي: تملك فرنسا وتركيا دورًا قويًّا ومميزًا للغاية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهما قوة عسكرية جبارة لا يستهان بها، وهناك علاقات قوية ومميزة تجمع باريس وأنقرة بالدب الروسي، لكن خلال العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تأثرت فرنسا بشدةٍ بما تناقلته “الميديا الغربية” من أحاديث عن جرائم حرب واغتصابات وقتل جماعي نفّذها الجيش الروسي وعناصر مسلحة تابعة إليه في مدينتي بوتشا وماريوبول، لتتوتر العلاقات بين فرنسا وروسيا وتصبح عقبة جديدة في طريق التمهيد للحل.

الدور الفرنسي من الواضح جدًّا أنه داعم ومنحاز لأوكرانيا بشكلٍ كاملٍ منذ بداية العملية العسكرية الروسية
الدور الفرنسي من الواضح جدًّا أنه داعم ومنحاز لأوكرانيا بشكلٍ كاملٍ منذ بداية العملية العسكرية الروسية

باتت فرنسا تمد جيش أوكرانيا بأسلحة وذخائر، كما استضافت جرحى حرب أوكرانيين في مستشفياتها، بينما شدد وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، في منتدى دافوس، على أن بلاده بحاجةٍ ماسةٍ إلى راجمات صواريخ متحركة تؤمن لها قوة نارية مكافئة لتلك التي تمتلكها روسيا.

عقوبات تنتظر تركيا في الناتو: تركيا التي ترتب للقاء بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفلاديمير زيلينسكي منذ أسابيع، تناول تقارير ومحللون أنها قد تتعرض لانتكاسة علاقات في أوروبا واحتمال الطرد من الحلف العالمي إذا أصرت على موقفها الرافض لانضمام فنلندا والسويد رسميًّا إلى حلف الناتو، وبغض النظر عن توريد تركيا أسلحة ومسيرات “بيرقدار” إلى أوكرانيا فإن علاقاتها مع روسيا لم تتأثر كما حدث مع باريس.

وحسب موقع “نيوز ويك”، فإن فكرة طرد تركيا من حلف الناتو تعود إلى عام 2016، حين قام الرئيس رجب أردوغان بقمع قوى المعارضة عقب انقلاب فاشل، وفي عام 2019 اقترح السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام آنذاك، تعليق عضوية أنقرة في حلف الناتو بعدما غزت قوات الجيش التركي شمال سوريا، في حين وقعت السويد وفنلندا عقوبات على الدولة التركية.

محاكمة كافالا: هناك نقطة تحول كبيرة أثرت على قوة الدور التركي وعكرت صفو العلاقات بين أنقرة والغرب في الأسابيع الأخيرة، بعدما أصدرت محكمة تركية حكمها (25 إبريل) بسجن رجل الأعمال عثمان كافالا مدى الحياة، لدوره في احتجاجات مناهضة للحكومة عام 2013 في تحدٍّ لدعوات غربية لإطلاق سراحه، في قضية حظيت بمراقبة عن كثب، ويرى كثيرون أنها مدفوعة بدوافع سياسية. الحكم ضرب طموحات تركيا، لتوثيق الروابط الاقتصادية والسياسية مع الدول الغربية، مع البقاء على مقربة من موسكو التي يعارض أردوغان فرض عقوبات عليها.

الناتو وتركيا

حاليًّا الناتو ليست لديه خيارات طرد أو تحييد الأعضاء، خاصةً في ظل الحرب الروسية الأوكرانية باعتبار أنقرة حليفًا استراتيجيًّا، خاصةً أن الأخيرة لديها تخوفات من إيواء فنلندا والسويد إرهابيين، ليؤكد الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، أن دول الناتو تحاول تفهم المخاوف التركية لتلاشي نقاط الخلاف المتعلقة بعضوية هلسنكي وستوكهولم.

لكن قد يكون هناك -حسب اتفاقية الحلف- توقف عن تقديم دول الحلف المساعدات لتركيا، ومع سقوط ماريوبول (الميناء الاستراتيجي الحيوي) وخسارة الأوكرانيين معركة مصنع آزوفستال للصلب لصالح الجيش الروسي واشتداد المعارك في الشرق الأوكراني، يحاول الأوروبيون التغطية على صوت الخلافات في حلف الناتو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى