تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في إفريقيا.. حرب بلا هوادة وضحايا بلا صوت

في سماء إفريقيا، حيث كانت الطيور تحلق بحرية، باتت الطائرات المسيرة تحكم قبضتها الحديدية، تبث الرعب بدلًا من الأمل، وتحصد الأرواح بدلًا من أن تنقل رسائل السلام.
لم تعد الحرب تُخاض وجهًا لوجه، ولم تعد ميادين القتال محصورة في ساحات الجنود، بل أصبحت الأسواق، الأحياء السكنية، والقرى النائية مسارح للدمار. في ظلال الصراعات المتزايدة، باتت القارة الإفريقية ميدانًا لحروب خفية، حيث تختلط التكنولوجيا الحديثة بالدماء، ويبقى المدنيون الضحايا الأكثر نسيانًا في هذه المعادلة القاتلة.
حروب الطائرات المسيرة
شهدت القارة الإفريقية خلال السنوات الثلاث الماضية تصاعدًا ملحوظًا في استخدام الطائرات المسيرة المسلحة من قبل الجيوش النظامية، مما أدى إلى مقتل ما يقارب 1,000 مدني وإصابة المئات.
وفقًا لتقرير نشرته منظمة Drone Wars UK وقع ما لا يقل عن 50 ضربة جوية قاتلة تم تأكيدها حتى نوفمبر 2024، وسط غياب شبه تام للمساءلة عن هذه الهجمات التي وصفها المحللون بأنها تكرار لنمط “مقلق” من استهداف المدنيين.
تصاعد الضربات واستهداف المدنيين
وفق ما نشرت صحيفة الجارديان البريطانية، فإنه رغم أن الاهتمام العالمي يتركز على استخدام الطائرات المسيرة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا، فإن القليل من التركيز يُوجه إلى الاستخدام المتزايد لهذه التقنية في النزاعات الإفريقية.
وتأتي معظم الطائرات المسيرة المستخدمة في إفريقيا من تركيا، بالإضافة إلى الصين وإيران، حيث باتت هذه الدول المورد الرئيسي لطائرات Bayraktar TB2 وغيرها من الطائرات متوسطة الارتفاع وطويلة المدى.
ستة صراعات دامية ومسؤولية مفقودة
أكد التقرير أن الطائرات المسيرة استخدمت في ستة نزاعات رئيسية في إفريقيا، شملت السودان، الصومال، نيجيريا، مالي، بوركينا فاسو، وإثيوبيا، حيث تسببت هذه الهجمات في خسائر بشرية هائلة.
وأوضح التقرير أن القوات الإثيوبية استخدمت الطائرات المسيرة بشكل مكثف ضد خصومها، لا سيما ضد جبهة تحرير تيغراي، ما أسفر عن مقتل أكثر من 490 مدنيًا في 26 هجومًا منفصلاً.
الصراع في مالي
أما في مالي، فقد أودت تسع ضربات جوية منفصلة بحياة 64 مدنيًا على الأقل، بينما في بوركينا فاسو، قتلت الطائرات المسيرة التي نشرتها القوات الحكومية أكثر من 100 مدني، بحسب الباحثين.
وعلى الرغم من أن الحكومات تروج لهذه الضربات باعتبارها وسيلة لمكافحة الإرهاب، فإن التقارير الميدانية تكشف عن نمط عشوائي من القصف الذي يستهدف الأسواق والمناطق السكنية، مما يزيد من حالة انعدام الأمن والفوضى.
السودان: الطائرات المسيرة وسط حرب أهلية محتدمة
يعد السودان أحد أكثر الدول الإفريقية تأثرًا باستخدام الطائرات المسيرة المسلحة، حيث لعبت دورًا بارزًا في الحرب الأهلية المستمرة.
فقد استخدم الجيش السوداني طائرات مسيرة إيرانية وصينية وتركية. وقد تسببت هذه الضربات في وقوع خسائر فادحة بين المدنيين، لا سيما في المناطق المكتظة بالسكان مثل الأسواق في العاصمة الخرطوم.
في إحدى الحوادث التي وقعت في يوليو 2024، أثارت انفجارات عنيفة ذعر سكان مدينة القضارف، حيث أكدت مصادر محلية أن الحادث نجم عن سقوط طائرة مسيرة. ويشير الخبراء إلى أن استخدام هذه التكنولوجيا في بيئات مدنية يزيد من خطر وقوع ضحايا أبرياء، مما يعقد الأزمة الإنسانية المتفاقمة بالفعل في البلاد.
بوركينا فاسو.. احتفاء حكومي بحرب جوية عشوائية
اعتمدت حكومة بوركينا فاسو بشكل متزايد على الطائرات المسيرة في حربها ضد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، حيث تباهت وسائل الإعلام الحكومية بقدرة الجيش على “تحييد الإرهابيين” باستخدام هذه التقنية. ومع ذلك، فإن الشهادات الميدانية ترسم صورة مغايرة تمامًا، حيث تظهر أن القصف الجوي غالبًا ما يخطئ أهدافه العسكرية، ليحصد أرواح المدنيين الأبرياء.
في أغسطس 2023، قُتل 28 مدنيًا على الأقل في غارة استهدفت سوقًا محلية في قرية بورو، ما أثار موجة غضب واسعة. ورغم ذلك، واصلت الحكومة تصوير استخدام الطائرات المسيرة كرمز للتطور العسكري، متجاهلة الأدلة المتزايدة على أن هذه العمليات تؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في البلاد.
غياب التنظيم الدولي واستمرار الخطر
يؤكد التقرير أن غياب إطار تنظيمي دولي صارم للحد من انتشار الطائرات المسيرة المسلحة في إفريقيا أدى إلى تصاعد الانتهاكات وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين. ويصف التقرير الرقم الإجمالي للضحايا البالغ 940 قتيلاً مدنيًا منذ عام 2021 بأنه رقم “متواضع”، مما يشير إلى أن الأعداد الفعلية قد تكون أعلى بكثير.
تحذر كورا موريس، الباحثة في منظمة Drone Wars UK، من أن العالم سيشهد المزيد من المجازر بحق المدنيين ما لم يتم اتخاذ خطوات جدية لضبط انتشار هذه التقنية. وقالت: “يجب على المجتمع الدولي التحرك بسرعة نحو وضع نظام رقابي جديد، وإلا فإننا سنرى المزيد من المدنيين يُقتلون بسبب الطائرات المسيرة المسلحة دون أي مساءلة.”
هل تتحول إفريقيا إلى ساحة مفتوحة للحرب الجوية؟
مع تزايد استخدام الطائرات المسيرة في إفريقيا، يبدو أن القارة تسير نحو مرحلة جديدة من النزاعات المسلحة، حيث أصبحت هذه التقنية أداة رئيسية في أيدي الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة على حد سواء.
وبينما تدعي الحكومات أن استخدامها يسهم في تعزيز الأمن، فإن الواقع يشير إلى أن هذه الطائرات أصبحت سلاحًا قاتلًا يُستخدم بلا ضوابط، ليحصد أرواح الأبرياء.
إذا استمر هذا الاتجاه دون رقابة دولية فعالة، فقد تصبح إفريقيا ساحة مفتوحة لحروب الطائرات المسيرة، ما يزيد من تفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية التي تعاني منها القارة بالفعل.


