صعود القومية.. كيف يعيد القادة القوميون تشكيل النظام العالمي؟

خاص // الوشم الأوسط
بعد نهاية الحرب الباردة، سادت العولمة على حساب القومية، وازدادت تعقيد الشبكات المؤسسية والمالية والتكنولوجية، مما همّش دور الأفراد في السياسة.
لكن منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، شهد العالم صعود قادة قوميين أعادوا تعريف السياسة العالمية، متجاوزين النظام الليبرالي لصالح رؤى قومية وحضارية.
مع تراجع دور المؤسسات الدولية، أصبحت المنافسة بين “الدول الحضارية” المحرك الأساسي للسياسة العالمية، مما يضع أوروبا في موقف ضعيف.
مستقبل هذا النظام سيتحدد بشكل كبير بناءً على عودة ترامب للسلطة ومدى قدرته على إدارة الصراعات بدلاً من تأجيجها.
البداية في روسيا: بوتين وإحياء القوة العظمى
في عام 2012، عاد فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة الروسية بعد فترة قصيرة قضاها كرئيس للوزراء، منهياً تجربة انتقالية محدودة.
سرعان ما أحكم قبضته على السلطة، مستهدفًا إعادة بناء “العالم الروسي” واستعادة مكانة موسكو كقوة كبرى، معارضة للهيمنة الغربية.
في عام 2014، سلك شي جين بينج في الصين مسارًا مشابهًا ولكن على نطاق أوسع، حيث سعى لترسيخ الهيمنة الصينية عالميًا، مدعومًا بقدرات اقتصادية وعسكرية هائلة.
كما شهد العام 2014 أيضًا وصول ناريندرا مودي إلى رئاسة الوزراء في الهند، حيث عزز النزعة القومية الهندوسية كأيديولوجية مهيمنة.
صدمة 2016: ترامب وإعادة تعريف السياسة الأمريكية
كان انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة عام 2016 لحظة فارقة في هذا التحول العالمي.
تبنّى ترامب شعارات قومية وشعبوية مثل “أمريكا أولًا” و”إعادة العظمة لأمريكا”، معيدًا تشكيل دور واشنطن في النظام الدولي.
وتشير مجلة فورين آفيرز الأمريكية إلى أنه لم يكن ترامب مجرد انعكاس لاتجاه عالمي، بل كان أيضًا تعبيرًا عن تيار أمريكي محافظ يعيد صياغة السياسة الداخلية والخارجية بناءً على إرث قديم من القومية ومعاداة الشيوعية.
بايدن كاستثناء أم عودة إلى المسار؟
عند فوز جو بايدن بالرئاسة في 2020، ظن كثيرون أن أمريكا ستعود إلى دورها التقليدي كقائد للنظام الليبرالي العالمي، لكن صعود ترامب مجددًا كشف أن فترة بايدن قد تكون مجرد محطة مؤقتة.
فالقادة القوميون عادوا إلى الواجهة، يضعون جدول الأعمال العالمي وفق رؤى قومية واستبدادية، متجاهلين القواعد والمؤسسات الدولية.
خطاب القوة والهوية
يستعيد هؤلاء القادة خطاب “صراع الحضارات” الذي تحدث عنه السياسي الأمريكي البارز صامويل هنتنغتون في التسعينيات، لكنهم يوظفونه بمرونة وذكاء سياسي بدلًا من الالتزام بتقسيماته الصارمة.
فروسيا الأرثوذكسية تخوض حربًا ضد أوكرانيا الأرثوذكسية، فيما يصف ترامب نفسه بأنه “حارس الحضارة الغربية”.
أما الصين، فقد روّجت لفكرة “الدولة الحضارية” كوسيلة لتبرير توسعها الجيوسياسي والاقتصادي.
أوروبا في مفترق الطرق
مع تراجع نفوذ الولايات المتحدة في إدارة النظام العالمي، تواجه أوروبا تحديًا كبيرًا. إذ لطالما اعتمدت على القيادة الأمريكية للحفاظ على النظام القائم، لكنها الآن تُركت لتدافع عن هذا النظام دون جيش موحد أو قوة مركزية قوية.
وفي ظل ضعف قياداتها الحالية، تبدو القارة عاجزة عن مواجهة التحولات الجارية، مما يجعلها لاعبًا هامشيًا في النظام العالمي الجديد.
النظام العالمي الجديد
بعد عودة ترامب إلى الحكم، فإن النظام العالمي سيستمر في إعادة التشكل على أسس قومية وتنافسية.
لكن نجاح هذا الترتيب الجديد سيعتمد على قدرة واشنطن على التعامل بحذر مع التوترات العالمية، وإدراك أن احتواء النزاعات هو شرط أساسي لتحقيق العظمة الأمريكية، وليس عقبة أمامها.


