التقارب السعودي التركي.. تعاون اقتصادي واسع واستراتيجية تتنامى

تشهد العلاقات السعودية التركية حراكًا اقتصاديًا قويًا، وذلك من خلال خطوات أساسية اتخذها البلدان ومنها قرار الرياض بإيداع 5 مليارات دولار في البنك المركزي التركي في مارس 2023، بالإضافة إلى استثمار 1140 شركة سعودية في تركيا يقابلها 390 شركة تركية مستثمرة في السعودية.
وتتحمس أنقرة والرياض لفتح صفحات واسعة من التعاون الاقتصادي، وفتحت الأخيرة أبوابها أمام المستثمرين الأتراك دون تحديات أو معوقات أمام دخولهم السوق السعودية، وبحسب وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ماجد الحقيل، تحتاج تركيا بعد الزلزال المدمر لنحو 850 ألف وحدة سكنية، وهو ما يدعم فرص زيادة التعاون المشترك مع المملكة، عن طريق ابتكار وتطوير طرق بناء غير تقليدية، للمساهمة في بناء وحدات سكنية متنوعة بجودة عالية وأسعار تنافسية.
16 اتفاقية تعاون.. وأهمية خاصة
مؤخرًا، تم توقيع 16 اتفاقية تعاون بين الجانب السعودي والشركات التركية في مجالات التطوير العقاري والإنشاءات والاستشارات الهندسية وعدد من القطاعات الاستثمارية الأخرى، وذلك بقيمة تتجاوز 2.3 مليار ريال (حوالي 610 مليون دولار).
وتقود أرامكو السعودية أيضًا الحراك الاقتصادي مع تركيا حيث قامت بلقاء 80 شركة إنشائية تركية لمنحها عقود بقيمة 50 مليار دولار في السعودية كما وقع البلدان خلال ملتقى الأعمال السعودي التركي 16 اتفاقية تعاون في عدة قطاعات بقيمة تتجاوز 2 ريال سعودي.
يقول الكاتب والمحلل التركي فراس رضوان أوغلو: تتطور العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تركيا والسعودية، يومًا بعد يوم، ونظرًا لأهمية المملكة للرئيس التركي، شكلت زيارة رجب طيب أردوغان إلى السعودية في يوليو الجاري وبعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة دلالة مهمة للغاية سياسيًا واقتصاديًا؛ باعتبار الرياض كبير البيت الخليجي.
وأضاف فراس رضوان أوغلو في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” أن السعودية وتركيا أكدتا أهمية تعزيز التعاون في القطاعين التجاري والاستثماري، ودعم فرص التكامل الاقتصادي في عدد من القطاعات المستهدفة، وذلك في بيان مشترك في ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة.
تعاون تاريخي.. وتوقعات مبشرة
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.4 مليار دولار في النصف الأول من العام الحالي، بحسب ما أعلن وزير التجارة التركي عمر بولاط، ويستمر بزخم متزايد وقبل أيام قليلة من زيارة الرئيس أردوغان للسعودية، بلغ حجم التبادل التجاري 6.5 مليارات دولار في 2022.
ويستهدف البلدان رفع حجم التجارة المتبادلة إلى مستوى 10 مليارات دولار على المدى القصير، وإلى مستوى 30 مليار دولار على المدى الطويل، وتصل استثمارات المملكة العربية السعودية في تركيا إلى 2 مليار دولار، منذ العام 2002 من خلال أكثر من 1400 شركة سعودية تقوم بتقييم فرص الاستثمار وممارسة الأعمال في البلاد.
تاريخيًا كانت العلاقات الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية وتركيا إيجابية وتعززت على مر السنين ومع ذلك.
ويبقى الاقتصاد السعودي والتركي متبادل الاعتماد على بعضهما البعض، حيث تشتري تركيا كميات كبيرة من النفط الخام السعودي وتصدر إلى المملكة العربية السعودية بضائع وخدمات مختلفة، كما تمتلك بعض الشركات التركية استثمارات كبيرة في السعودية وتعمل في مجالات مختلفة مثل البناء والصناعات الثقيلة والخدمات اللوجيستية.
وتوقع متخصصون أن تتزايد العلاقات الاقتصادية بين البلدين في السنوات المقبلة، ومن الملاحظ أن العلاقات السعودية التركية ليست فقط اقتصادية، بل تشمل أيضًا علاقات سياسية وأمنية واستراتيجية.
تتضمن العلاقات الاقتصادية بين البلدين العديد من القطاعات الرئيسة، مثل البناء والمقاولات والسياحة والتجارة؛ وتمتلك تركيا العديد من الشركات التي تعمل في مجال البناء والمقاولات في المملكة العربية السعودية، وتشمل مشاريع كبيرة مثل مشروع الرياض الذي يهدف إلى تطوير العاصمة السعودية.
صادرات الرياض إلى أنقرة
تستورد تركيا من المملكة العربية السعودية العديد من المنتجات الزراعية، مثل الحبوب والأعلاف والخضروات والفواكه، وتعتبر السعودية واحدة من أهم أسواق الصادرات التركية في المنطقة.
وتسود توقعات أن تتواصل حلقات التعاون الاقتصادي بين السعودية وتركيا في المستقبل، لا سيما بعد إعلان السعودية عن “رؤية 2030” التي تهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد متنوع ومستدام بالنظر إلى مكانة المملكة في العالمين العربي والإسلامي وقدرتها على قيادة المنطقة الخليجية المكتظة بفرص الاستثمارات والقدرة المالية على ضخ استثمارات بينية مع دول التعاون، فضلًا عن أهمية زيارة أردوغان إلى المملكة خلال يوليو 2023، وأصبحت جدة أولى محطات الرئيس أردوغان بعد فوزه في انتخابات الرئاسة لتكون بمثابة أولى محطات الانطلاق الجديد والنوعي في علاقة البلدين.
وعبرت أنقرة عن استعدادها للمساهمة في رؤية 2030 من خلال توفير التكنولوجيا والخبرات اللازمة، بالإضافة إلى مجالات أخرى، وهناك العديد من المجالات التي يمكن للسعودية وتركيا التعاون فيها اقتصاديًا، مثل الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية والتكنولوجيا والطاقة والنقل واللوجيستيات والاتصالات والأمن والدفاع.
تركيا.. أهم المستثمرين
تعتبر السعودية وتركيا أيضًا عضوين في مجموعة العشرين G20، وهي المجموعة التي تضم أكبر الاقتصادات في العالم، ويمكن للبلدين التعاون في هذا الإطار للتأثير على الأسواق العالمية وتعزيز النمو الاقتصادي العالمي.
ويمكن للاقتصاد أن يلعب دورًا هامًا في تعزيز العلاقات السياسية وتحسينها على المدى الطويل، وعلى صعيد العلاقات الاستثمارية؛ فإن تركيا تعد واحدة من أهم المستثمرين في السوق السعودية، بحسب تقارير اقتصادية، حيث تمتلك العديد من الشركات التركية استثمارات كبيرة في المملكة العربية السعودية وتعمل في مجالات مختلفة من بينها البناء والصناعات الثقيلة والخدمات اللوجستية والسياحة والترفيه.
يقول الخبير الاقتصادي، السيد خضير، إن العلاقات الاقتصادية بين السعودية وتركيا تعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي، ولا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والاقتصادي في هذه العلاقة.
وأضاف السيد خضير في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط“: تسعى السعودية إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، وتعمل على تحسين بيئة الأعمال وتسهيل الاستثمارات الأجنبية في السوق السعودية.
ويمكن لتركيا أن تشكل شريكًا مهمًا في هذا الصدد، حيث يمكن للشركات التركية الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في السوق السعودية وتحقيق مكاسب اقتصادية مهمة، ومن الممكن أيضًا أن تتعاون السعودية وتركيا في مجالات الابتكار والتكنولوجيا، حيث يمكن للبلدين تبادل الخبرات والتكنولوجيا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والعلوم الحيوية والتقنيات الحديثة والاتصالات والإنترنت.
خاتمة
في النهاية، إن العلاقات الاقتصادية بين السعودية وتركيا تمثل فرصة هامة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين الكبيرين، لا سيما أن أنقرة ترفع شعارًا ملفتًا في الآونة الأخيرة وهو “زيادة عدد الأصدقاء وتقليل الخصوم”، سعيًا إلى تحقيق مكاسب اقتصادية متبادلة، ويجب على البلدين العمل سويًا لتوسيع مساحات التعاون والتقارب وتذليل أي عقبات لزيادة الاستثمارات البينية.
فضلًا عن تعزيز حلقات العمل والعلاقات الاقتصادية بينهما على المدى الطويل من خلال شراكات مستدامة؛ نظرًا لما تمتلكه المملكة من أسواق عمل واسعة وقدرات مالية كبيرة.


