المملكة العربية السعودية والتغيرات المناخية.. تحركات وأهداف

نجاة عون// وابامز 

أصبح التغيّر المناخي واحدًا مِن أهم وأبرز المشكلات التي تُؤرّق المجتمعات على المستوى العالمي، الوطني والمحلي خلال السنوات الأخيرة، حيث أجمع العلماء على أنّ التغيّرات المناخية المفاجئة وارتفاع درجات الحرارة أمور لها مخاطر فورية وأُخرى على المدى الطّويل على التكوين العمراني والبيئي للمُجتمعات والمواطنين على حدّ سواء.

تُشير الدلائل إلى أنَّ الأسباب الرئيسية لهذا التغيُّر البيئي، تتمثَّل في الاستخدام المُبالَغ للأراضي وإزالة الغابات والتمدّد الحضري والاستهلاك المكثَّف للوقود بأنواعه.

مِن المظاهر التي نراها بشكل دوري لهذا التغيّر البيئي، الأمطار الكثيفة والفيضانات والجفاف والعواصف الشّديدة. وقد بيَّنت تقارير الأمم المتحدة أن المليارات على مستوى العالم يتأثَّرون سلبًا بتلك الظواهر الناجمة عن التغيّر المناخي.

هنا لا بد مِن بيان أن التغيّر المناخي في المملكة العربية السعودية يؤثّر على المناطق الريفية والحضرية على حدّ سواء، فنظام المملكة البيئي حسَّاس بعض الشيء نظرًا لندرة مواردها المائية ومناخها الجاف، مما يجعل الأراضي الزراعية بالمملكة هشّة وضعيفة أمام التغيّرات البيئيّة. 

كيف تُواجِه المملكة التحديات المُناخية؟

إنَّ المملكة العربية السعودية شأنها شأن دول العالم التي شهدت على مدى العقود الماضية نموًّا هائلًا في الثروة السكانية والصناعية، ممّا كان له أثر كبير على البيئة التي يتأثّر بها الإنسان ويؤثِّر فيها، لذا أدركت المملكة حجم وأهميَّة التحديات التي تُواجهها، وأعطت مجالات البيئة أهميَّة قصوى عبر إطلاقها العديد مِن المبادرات. كما بدأت تعمل على حمل لواء قيادة الحقبة الخضراء المقبلة، وذلك عن طريق الآتي:

المشاركة الدولية: تسعى السعودية إلى التعاون مع الحلفاء والشركاء الدوليين لمكافحة التغيّر المناخي، ففي نوفمبر 2016، أيّدت السعودية اتفاقية باريس بشكل رسمي (اتفاقية تدعو لاتحاد دول العالم لحل مشكلات التغيّر المناخي والتخفيف مِن حدّتها).

كما تسعى المملكة حاليًّا بالشراكة مع عددٍ من الدول الشقيقة لزراعة 40 مليار شجرة إضافية في الشرق الأوسط، وهي أكبر خطة إعادة تشجير في العالم، وثاني أكبر مبادرة إقليمية من هذا النوع. ومِن المتوقّع أن تؤدّي تلك الخطة لخفض معدلات الكربون العالمية بنسبة 2.5%، واستعادة 200 مليون هكتار مِن الأراضي المتدهورة.

رؤية المملكة 2030: تبنَّت السعودية رؤية 2030، التي مِن ضمن أهدافها تخفيض اعتماد المملكة التقليدي على النفط بشكل كبير، وهو ما يُساعدها على تحويل اقتصادها إلى اقتصاد صديق للبيئة، مما يُسهِم في خفض معدلات انبعاثات الغازات الضارَّة.

تبنِّي المبادرات ومنها:

  • أولًا: زيادة المساحات الخضراء: عن طريق إطلاق مُبادرتين تهدفان إلى زراعة 10 مليارات شجرة خلال العقود المقبلة، وهو ما يُعادل إعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار من الأراضي. بالإضافة إلى تبني المملكة لمبادرة السعودية الخضراء التي أعلن عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي تهدف إلى زيادة المساحات الخضراء ومواجهة التحديات البيئية والحفاظ على الحياة البحرية وخفض الانبعاثات الكربونيّة.

علاوةً على ما سبق، تسعى المملكة إلى استغلال موقعها الجغرافي المتميّز بالتنوّع التضاريسي؛ كالسواحل البحرية والصحاري والسهول والجبال، في زراعة 200 نوعٍ مِن الأشجار المختلفة، ففي المناطق الساحلية سيتم زراعة المانجروف (نبات يُزرع في المياه المالحة ويُستخدَم كغذاءٍ للأسماك والطيور، ومِن ثمّ يُسهم في تعزيز البيئة البحرية بالمملكة).

بينما في الصَّحاري تسعى المملكة إلى زراعة 72 نوعًا مِن الأشجار المحلية ذات الظل الكثيف والملائم للبيئة الصحراوية؛ مثل زراعة الغاف الخليجي والطلح النجدي والسدر البلدي، وكل النباتات التي لا تحتاج إلى الروي إلا وقت الزراعة، وبعد ذلك تمتد جذورها لباطن الأرض بحثًا عن الماء.

في المناطق الجبلية، قد تزرع الفواكه، وهو ما يتضح مِن قيام وزير البيئة والزراعة بتوزيع 500 ألف شتلة من الفواكه المحلية في جازان وعسير والباحة والطائف تشمل اللوز والبن والتين والرمان والعنب.

  • ثانيًا: تبنَّت السعودية أكثر من 53 مبادرةً للحدّ مِن التغيّر المناخي، باستثمارات تزيد على 185 مليار دولار، للوصول بالطاقة المتجدِّدة لحصة 50% مِن الطاقة الإنتاجية لمزيجٍ مِن الكهرباء، ومبادرة البرنامج السعودي لكفاءة الطاقة، وبناء واحد مِن أكبر مراكز العالم في إنتاج الهيدروجين الأخضر بمدينة “نيوم”.
  • ثالثًا: مبادرة اقتصاد الكربون الدائري: في نوفمبر 2020، تبنَّت المملكة مبادرة “اقتصاد الكربون الدائري” التي تهدف إلى تعزيز أمن واستقرار الأسواق، والوصول إلى الطاقة وإدارة الانبعاثات الضارَّة.

تبنِّي نهج الزراعة الجديدة: تعدّ المملكة العربية السعودية الدولة الأولى في العالم التي تطبّق تكنولوجيا الزراعة الجديدة القائمة على الطاقة الشمسية والطاقة الهيدروليكية. وما دفع المملكة لتبنّي نهج الزراعة الجديدة استحواذها على المستوى الثاني عالميًّا في مجال الطاقة الشمسية التي تعتمد عليها المملكة في مجالات عدة، ومنها الحد مِن استهلاك الطاقة النفطية والغازية.

نُدرة المياه: تواجه المملكة مشكلة كبيرة فيما يتعلّق بالمياه، فوفقًا لبيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية، تمتلك المملكة مُعدّلات إعادة تعويض منخفضة ومخزونًا احتياطيًّا محدودًا مِن المياه الجوفية غير المتجدّدة القابلة للاستغلال، كما يستهلك قطاع الزراعة وحده 84% من إجمالي الطلب على المياه، وتصل النسبة إلى 90% حينما يتعلَّق الأمر بالموارد المائية غير المتجدّدة، وهو ما يعوق عملية التشجير الضّخمة، لذا لجأت المملكة إلى بدائل عدة، ومنها:

1- زراعة الأشجار المحلية والمتكيّفة مع المناخ السائد، والتي لا تحتاج إلى كميات كبيرة مِن المياه، واستخدام بعض التقنيات الحديثة مثل الاستمطار الصناعي.

2- الاعتماد على تحلية المياه بنسبة تصل إلى 60% مِن إجمالي المياه المُخصَّصة للقطاع المدني.

3- الزراعة بمياه المساجد لتوفير المياه للمبادرة الخضراء، وذلك عن طريق تدوير مياه الوضوء لزراعة النباتات.

تحظى مبادرتا الشرق الأوسط الأخضر والسعودية الخضراء بأهمية قصوى بالمملكة، باعتبارهما خارطة طريق المملكة نحو تجاوُز أزمة التصحّر والمناخ وارتفاع درجات الحرارة. ويتضح مِن هاتين المبادرتين استشعار المملكة لأهمية دورها الريادي في تحقيق المستهدفات العالمية في مجال حماية البيئة والحدّ مِن التغيرات المناخية وآثارها.

– تغليظ عقوبة قطع الأشجار: أعلنت السعودية عام 2020 إنشاء قوات خاصَّة للأمن البيئي، تكون مُهمّتها منع الاحتطاب والرَّعي الجائر ومنع قطع الأشجار، حيث وضعت المملكة عقوبات كبيرة لكلِّ مَن يقوم بقطع الأشجار أو نقلها أو حتّى الاحتطاب بغرامة مالية تتراوح بين 2700 دولار إلى 13 ألف دولار عن كلِّ طن. كما عملت المملكة على التوعية بشكل مُشدّد بأهمية المحافظة على مقدرات الوطن والحذر مِن الاحتطاب، لِمَا يُشكِّله مِن إضرارٍ للموارد الطبيعية والغطاء النباتي وأراضي الغابات والمتنزهات والمراعي وزيادة رقعة التصحّر وانقراض الأشجار.

– أسبوع المناخ: أعلن الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، نهاية عام 2022 على هامش مؤتمر “كوب 27” بشرم الشيخ، عزم بلاده استضافة أسبوع المناخ لمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط خلال العام الجاري، وذلك بالاتفاق مع أمانة الاتفاق الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC) لتعزيز العمل المناخي. كما كشف عن بعض المشروعات التي تعتزم المملكة تنظيمها. وأوضح أنّ المملكة تسعى لتصبح مركزًا إقليميًّا للاقتصاد الكربوني الدوّار خلال الشهر الجاري، وذلك من خلال التعاون مع اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا (إسكوا).

ماذا ينتظر المملكة في المستقبل؟

وضع توم ريفيت كارناك وكريستيانا فيغيرز في كتابٍ لهما تقديرات مستقبلية محتملة عن التغيّرات المناخية بالمملكة، يتمحور التقدير الأوّل بشأن خفض انبعاثات الكربون إلى النصف خلال هذا العقد، والثاني يتكلّم عن الأرض في حالة فشلنا في تخفيض نسبة الملوّثات.

أثبتت دراسات مشتركة بين فريقين من مركز النظم الهندسية المعقدة بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في السعودية، ومجموعة من الباحثين ببرنامج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المشترك لعلوم وسياسة التغيير العالمي، صحّة ذلك بعد استخدام نهج عالي الدقة للنمذجة المناخية الإقليمية، لتوليد توقعات منتصف القرن الحادي والعشرين (2041- 2050) في ظل سيناريو انبعاثات عالية وتأثير مناخي مرتفع.

توصَّل الفريقان إلى أنه بعد مرور 30 عامًا فقط، سترتفع درجة الحرارة بالمملكة وعدة دول مِن الشرق الأوسط والعالم إلى 60 درجة مئوية، وقد ينجم عن ذلك هواء ثقيل وحار مُحمّل بالجسيمات الملوّثة التي تُصيب الأعين وتسبِّب السعال الحاد. وبالتالي لن يتمكّن الإنسان مِن الخروج من المنزل أو تنفّس الهواء النقي. وبدلًا مِن ذلك، قد يتعيَّن على الأفراد التحقّق مِن هواتفهم ومعرفة نوع الهواء في اليوم المُحدَّد قبل الخروج مِن منازلهم أو قيامهم بفتح النوافذ في الصباح.

أخيرًا، مِن المتوقّع أن تؤدي إسهامات المملكة السابق ذِكْرها لتخفيف أثر التغيّر المناخي مِن خلال تعديل الخصائص الإشعاعية لسطح الأرض وزيادة رطوبة التربة، ممّا يُسهم في تلطيف الأجواء المحلية، وزيادة استهلاك غاز ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج غاز الأكسجين من خلال عمليات البناء الضوئي، التي ستقلّل بدورها تركيز أحد أهم الغازات الدفيئة المسبّبة للاحتباس الحراري.

وسيعزّز تحقيق مستهدف السعودية في تقليل الانبعاثات الكربونية بأكثر من 4% مِن الإسهامات العالمية بالتوجّه لمشاريع الطاقة المتجددة، التي تهدف إلى توفير 50% من الطاقة الكهربائية في البلاد بحلول 2030، التي ستمحو أكثر من 130 مليون طن مِن الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى رفع نسبة تحويل النفايات عن المرادم إلى 94%.

المصادر

  • بلال صغير، “التغيّر المناخي في المملكة العربية السعودية: إعادة نظر في دور الإدارة المحلّية”، موقع مركز الإدارة المحلية، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3XlWxx0.
  • “خلال 15 عامًا.. هل تصبح السعودية جنة عدن؟” موقع RT عربي، تاريخ النشر 28 أبريل 2018، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3GuF2DR.
  • “دراسة مقلقة: السعودية تواجه خطرًا مناخيًّا قد يجعلها غير صالحةٍ للسكن بحلول منتصف القرن”، موقع RT عربي، تاريخ النشر 2 نوفمبر 2020، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3Wey5wB.
  • سعاد اليعلا، “السعودية في 2050: التشجير أو 60 درجة مئوية”، تاريخ النشر 10 أبريل 2021، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3jZ1Wvn.
  • “تقرير: السعودية ودول الخليج الأخرى تواجه سيناريوهين مروّعين يهددان سبل العيش”، موقع RT عربي، تاريخ النشر 27 أكتوبر 2021، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3vRK3RW.
  • عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب، “تأثير التغيّرات المناخية على الاقتصاد.. ودور السعودية”، موقع العربية، تاريخ النشر 28 فبراير 2022، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3vP7J9F.
  • “وزير الطاقة السعودي يكشف 3 خطوات تعتزم المملكة اتخاذها بشأن المناخ في عام 2023″، موقع CNN بالعربية، تاريخ النشر 12 نوفمبر 2022، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3Qu4qOn.
  • “صحيفة الرياض السعودية: المملكة تسعى لمواجهة التغيرات المناخية”، موقع اليوم السابع، تاريخ النشر 6 نوفمبر 2022، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3WZ75Cl.
  • لمياء نبيل، “السعودية تستضيف «أسبوع المناخ بالشرق الأوسط» في 2023″، موقع الشرق الأوسط، تاريخ النشر 13 نوفمبر 2022، تاريخ الاطلاع 11 يناير 2023، https://bit.ly/3GrMPlD.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى