الدبلوماسية الصحية.. أزمة كورونا نموذج

خاص// وابامز

اكتسبت الدبلوماسية الصحية المزيد من المصداقية فى بناء العلاقات الخارجية على مدى العقدين الماضيين. كما أظهرت جائحة كورونا الحالية أهمية الدبلوماسية الصحية والطبية بين الدول كضرورة للتعاون الطبى والسريرى للعلاج وتبادل المعلومات لاقتلاع الفيروس من العالم وإزالته. كما أصبحت الدبلوماسية الصحية قضية ملحة للسياسة الخارجية في عصرنا. فهى تعمل وتفعل وتساعد في معالجة الأزمات الطبية والصحية العالمية الحقيقية والمحتملة.   

والدبلوماسية الصحية هى مفهوم يعمل على حض أعضاء المجتمع الدولي على دعم جهود الدول والمنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية لهزيمة الفيروسات التاجية.

وفى ضوء ذلك، تقوم دبلوماسية الصحة العالمية على ممارسة العلاقات الدولية والأجنبية التي من خلالها تنسق الحكومات جنباً إلى جنب مع الجهات الفاعلة غير الحكومية طبياً لمعالجة قضايا الصحة العالمية مثل الإيبولا وفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز والفيروس التاجي.

ومع النجاح في تطوير لقاحات متنوعة لمكافحة انتشار وباء كوفيد-19، نشأ نقاش حول وضع أولويات التوزيع التي من شأنها أن تُظهر تفاوت الثروة والقوة السائد في العالم. كما يوجد، إضافة إلى هذا، نقاش حول “دبلوماسية اللقاحات” التي عرفها العالم الأمريكي المتخصص في الصحة العامة، بيتر هوتيز، بأنها “فرع الدبلوماسية الصحية العالمية الذي يعتمد على استخدام اللقاحات أو إيصالها”. وتنقسم دبلوماسية اللقاحات الحالية بين برامج الدول الأفراد، مثل برنامج الصين أو الهند أو روسيا، وبرنامج كوفاكس الذي يمثل شراكة عالمية تهدف إلى تسريع تطوير لقاحات كوفيد-19 وتصنيعها، إضافة إلى إنتاج التقنيات التشخيصية والعلاجات، وضمان الحصول عليها على نحو سريع وعادل ومنصف في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أننا لا نفكر عادة في اللقاحات بوصفها أداة للسياسة الخارجية، فإن دبلوماسية اللقاحات تعمل بطرق مشابهة حيث أنها تدور حول تطبيق القوة من خلال إمداد اللقاحات من أجل كسب النفوذ. وقد أنهك كوفيد-19 منظومات الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، منذ أيامه الأولى لأن الطلب تجاوز العرض بكثير من حيث عمليات الفحص، والملابس الواقية، والمعدات، والعلاج، والاستشفاء. وكان يعني الحصول على أي من هذه أو كلها احتمال أعلى للبقاء على قيد الحياة والشفاء الكامل، وينطبق الأمر نفسه على اللقاحات. ويشكل التوزيع العادل والمنصف للقاحات التحدي الأكبر الذي يواجهه العالم اليوم، لأنها سلعة نادرة يفوق الطلب عليها الكمية المعروضة منها بمستويات هائل. وتكمن هنا، إضافة إلى هذا، فرصة الدول التي لديها القدرة على توفيرها للآخرين والحصول على بعض النفوذ السياسي الذي يمكن أن تستفيد منه في المستقبل.

ومن زاوية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن سياسة اللقاحات سياسة اقتصادية، لأنها لديها القدرة على التعجيل بإنهاء هذه الأزمة الصحية، فبإمكانها أن تضيف نحو 9 تريليونات دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2025. وبقدر ما أن دبلوماسية اللقاحات واجب أخلاقي، فإنها تصب أيضاً في المصلحة الذاتية للقوى الاقتصادية الرائدة التي تعتمد في رفاهيتها اعتماداً كبيراً على عودة النشاط الاقتصادي إلى مستويات ما قبل الوباء.

تعد الدبلوماسية الصحية مهمة للعلاقات الخارجية المعاصرة، لذا بذلت دول ومنظمات عدة جهود كبيرة في إطارها، وهو ما نوضحه في الآتى:

سعت كل دولة للتعامل مع أزمة كورونا في حدود مواردها ونظمها الصحية وثقافة شعبها، وإن ظلت استراتيجية أغلب الدول تبدو متماثلة في هذا الشأن، من حيث قيامها على عناصر ثلاثة هي: سياسات للتأمين، بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال، لإبطاء تفشي الفيروس والتخفيف على النظام الصحي – تحسين قدرات هذا الأخير وتأهيليه- حزمة مساعدات اقتصادية واسعة النطاق رداً على الإغلاق الاقتصادي المفاجئ والأزمة المالية الناجمة عن ذلك.

 وفي ضوء الآثار المدمرة للجائحة على الاقتصاديات الضعيفة بإمكاناتها المتواضعة وهشاشة نظم الصحة العامة فيها، جرت محاولات عديدة في نطاق الأمم المتحدة وخارجها لرفع العقوبات الاقتصادية والمالية وسياسات الحصار المفروضة على عدد من الدول لتمكينها من مواجهة الوباء، كما هو الحال بالنسبة لفنزويلا وكوريا وإيران وفلسطين. وقد باءت كل المحاولات في هذا الشأن بالفشل بسبب موقف الولايات المتحدة الأمريكية. وقد فشل مجلس الأمن في التعامل مع الوباء في ضوء إصرار الولايات المتحدة على تسمية الفيروس بـ”فيروس ووهان”، الأمر الذي اعترضت عليه كلاً من الصين وروسيا.

وكانت الأمم المتحدة أطلقت مبادرتين للتمويل: 2 مليار دولار أمريكي كخطة لاستجابة إنسانية عالمية لمواجهة الوباء. وتضم الخطة التي ينسق لها مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بالمنظمة (OCHA) النداءات الحالية من منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الأخرى التابعة للأمم المتحدة. ومع استمرار تزايد الاحتياجات الإنسانية، تم إجراء تحديث في الخطة، بحيث أصبحت تدعو إلى حشد 6.7 مليار دولار لباقي عام 2020. وحتى 7 مايو من العام الماضى بلغت المساهمات نسبة 12.5% فقط من المبلغ المطلوب. أما المبادرة الثانية فتتعلق بصندوق الاستجابة للجائحة والتعافي منها، وهي آلية تمويل فيما بين الهيئات المعنية للمعاونة في دعم الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط لتجاوز الأزمة الصحية والتنموية بقيمة 30,969,359 مليون دولار عبارة عن منح قدمت حتى الآن.

جمهورية الصين: فى الصين كان هناك اهتمام قديم بالدبلوماسية الصحية. وقد ظهر ذلك في التعاون مع أفريقيا من خلال توفير الإمدادات الطبية وتدريب مؤسسات مكافحة الملاريا في أفريقيا. حيث قدمت الصين نفسها على مدى العقود الخمسة الماضية كمركز رائد للقوة الناعمة من خلال الدبلوماسية الاقتصادية والطبية بشكل رئيسي للدول التي تدار بشكل سئ في أفريقيا وآسيا.

وفى الآونة الأخيرة، كان هناك ضغط عالمى ولوم متزايد نحو الصين بشأن جائحة كورونا. ونتيجة شعورها بالذنب في ذلك كانت الصين أول من أدرك قيمة الانتقال من احتواء الأزمة الصحية في الداخل إلى العمل بطريقة مماثلة في الخارج. وهو ما يتماشى كثيراً مع النهج المزدوج في السياسة الخارجية الذي تتبعه الصين التي بنت قوتها الضاربة من خلال إنشاء أكبر قوة بحرية في العالم ومشاركاتها العسكرية المتزايدة على الصعيد العالمي، ولكنها في الوقت نفسه تكملها بسياساتها بعيدة الأثر في مجال القوة الناعمة لكي ترفع من مكانتها ونفوذها، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق.

وفي ظل قيادة الرئيس””Xi Jinping شهدت طموحات الصحة العالمية للصين دفعة قوية، ممثلة في الإصلاحات التي تضمنتها “رؤية الصين الصحية 2030″، التي عكست الأهمية المركزية للرعاية الصحية اليوم في كل السياسات الصينية الرئيسية الأخرى بما فيها السياسة الخارجية. وقامت الصين بتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز تعاونها مع منظمة الصحة العالمية من خلال هذه المبادرة، وبذلك دخلت المنظمة في تعاون مبتكر بشأن مشاريع مبادرة “صحة طريق الحرير”، بجانب المقاربات التقليدية للمنظمات الدولية الإقليمية.

وكانت الصين قد تلقت وقت اشتداد الأزمة فيها، دعماً عينياً قوياً من نحو 79 دولة وعشر منظمات دولية، وبمجرد قيام الحكومة الصينية بالسيطرة على الوباء واحتوائه، تعاملت بالمثل مع الدول التي قدمت لها معونات إغاثة ومساعدات بدءً باليابان ودول المنطقة الأوراسية، ومروراً بدول منطقة جنوب شرق آسيا وجنوبها وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، بما فيها مصر وإسرائيل وتركيا وإيران والسعودية والكويت وعمان والجزائر وفلسطين وغيرها. كذلك حظيت بلدان أوروبية عديدة بمساعدات صينية، بما فيها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وصربيا والجبل الأسود وبلجيكا والبوسنة والهرسك وغيرها. وقد بلغ عدد الدول التي تلقت مساعدات عينية ومالية صينية أكثر من 155 بلداً ومنظمة دولية حول العالم، بما فيها 30 بلداً في آسيا.

وبذلك تصرفت الحكومة الصينية بسرعة وعلى نحو استراتيجى لتحسين الصورة العالمية لها. فتبرعت الصين بأطنان من الإمدادات الطبية وأدوات الاختبار لإيطاليا وأسبانيا ودول أخرى لديها معدلات إصابة مرتفعة. كما كانت الصين حريصة على مشاركة الأدلة والبيانات العلمية التي تم الحصول عليها إما في الدوريات العلمية أولاً بأول أو من خلال التعاون الوثيق مع المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية، والأهم من ذلك فقد شاركت الحكومة الصينية التسلسل الجينى للفيروس، والذى كان ضرورياً لتطوير وإنتاج فحوصات PCRالسريعة ومشاركتها على مستوى العالم.

اكتسب هذا السلوك التعاونى الاعتراف والاحترام عالمياً، مما ساعد في تقليل نبرة اللوم. إلى جانب ذلك، فقد وضع الصين في وضع أفضل لتجنب إلقاء اللوم رسمياً بشكل موثق في العديد من المناسبات.

الولايات المتحدة الأمريكية: عندما ضربت الجائحة العالم استخدمتها إدارة ترامب كذريعة لمزيد من التراجع عن التكامل والتضامن العالمي والعمل المتعدد الأطراف وترسيخ شعار أمريكا أولاً. وتقلصت المساعدات الأمريكية لتصبح 274 مليون دولار ارتباطاً بالجائحة، كما يخصص القانون الذي أقره الكونجرس أثناء ولاية ترامب مبلغ 1.5 مليار دولار فقط لدعم الأنشطة الدولية لوزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. وشملت التخفيضات المساعدات المقدمة إلى كلٍ من أفغانستان واليمن. وكما هو معلوم أنهت إدارة ترامب كل الدعم الأمريكي للسلطة الفلسطينية، بما في ذلك المساعدات الإنسانية والإنمائية والصحة العامة، وذلك للضغط على الفلسطينيين للقبول بصفقة ترامب للسلام. ومع ذلك أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مؤخراً أنها ستقدم 5 ملايين دولار كمساعدة دولية في حالات الكوارث كمعونة فورية منقذة للحياة لسكان الضفة الغربية لمواجهة كورونا.

ومنذ تولى بايدن الرئاسة في أمريكا تغيرت السياسة الأمريكية وأصبح أمر مواجهة الفيروس داخلياً وخارجياً على قائمة أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة، حيث بذلت الولايات المتحدة جهداً كبيراً لنشر اللقاحات وإرسال إمدادات الطوارئ إلى الدول التي تشهد طفرات في COVID-19.

ومنذ اللحظة الأولى تعهد بايدن بأن تصبح الولايات المتحدة ترسانة العالم للقاحات وهو ما حدث بالفعل حيث قامت الولايات المتحدة بشراء 1.2 مليار لقاح لغرض وحيد وهو التبرع بها للدول المحتاجة. وحتى اليوم، قدمت حكومة الولايات المتحدة أكثر من 475 مليون جرعة مجانية إلى 112 دولة حول العالم. كما قدمت العديد من الموارد المنقذة للحياة مثل الأكسجين والعلاجات ومعدات الوقاية الشخصية وغيرها من الإمدادات الأساسية التي تزيد قيمتها على مليار دولار إلى البلدان التي تعاني من تفشي المرض.

وخلال العام الماضي، كانت إدارة بايدن رائدة في نموذج التبرع وتقديم اللقاحات الفائضة لبقية العالم. حيث كانت أمريكا أول دولة تعلن عن شراء جرعات فقط للتبرع بها إلى الدول الأخرى؛ وأول دولة تتخلى عن مكانها في قائمة اللقاحات مما سمح للاتحاد الأفريقي بالبدء فوراً في تلقي ما يصل إلى 110 مليون جرعة من لقاح موديرنا بسعر مخفض؛ كما كانت أيضاً أول دولة تتفاوض على صفقة لإرسال اللقاحات مباشرة إلى المناطق الإنسانية ومناطق النزاع لتلقيح النازحين.

روسيا: كانت روسيا في مقدمة الدول التي قامت بدعم الصين معنوياً ومادياً منذ بدايات الأزمة، ارتباطاً بحملة أمريكا بتحميلها مسئولية تفشي الوباء وتواطئها مع منظمة الصحة العالمية. وفى ضوء ذلك قامت روسيا بإرسال العديد من الطائرات للصين المحملة بالمعدات والإمدادات الطبية. كما حظيت صربيا باهتمامٍ خاص من روسيا حيث أرسلت موسكو 11 طائرة عسكرية محملة بمعدات طبية وأقنعة لبلجراد. ودفع ذلك الرئيس الصربي إلى القول بأن “التضامن الأوروبي غير موجود… إنه قصة خرافية”.

ويضاف إلى كل ذلك حرص روسيا على الدخول في السباق الدولي للتوصل إلى لقاح قادر على وقف الوباء. وفى ضوء ذلك، أعلنت زارة الصحة الروسية مؤخراً عن تسجيل أول لقاح أنفي في العالم ضد فيروس “كوفيد-19”.

وجاء في بيان الخدمة أن “وزارة الصحة الروسية سجلت الشكل الأنفي للقاح (سبوتنيك V) للوقاية من عدوى فيروس كورونا المستجد، الذي طوره مركز غاماليا الوطني لبحوث الأوبئة والأحياء الدقيقة في روسيا الاتحادية”.

وأوضحت الوزارة أن اللقاح الأنفي يتكون من جرعتين، تفصل بينهما ثلاثة أسابيع، مضيفة أنه يمكن استخدامه من قبل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 18 عاماً أو أكبر.

الهند: تنظر الهند، بقدرٍ كبير من عدم الارتياح لتعاظم النفوذ الصيني في آسيا والعالم، وبالرغم من عدم تمكن نيودلهي من السيطرة على الوباء واحتوائه تماماً، مثلما هو حال الصين، إلا أنها تحركت في محيطها الإقليمي مستفيدة في ذلك من تجربة الصين، في إطار ما أطلق عليه البعض “دبلوماسية كورونا”.

فقد عقدت الهند قمة افتراضية للدول الأعضاء في رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي (SAARC) في 15 مارس 2020، حيث تم تخصيص صندوق طوارئ للدول الأعضاء. كما قادت الهند مبادرة لتوفير المعدات الطبية والأدوية والعاملين في قطاع الصحة لدول الرابطة، عدا باكستان الحليف الأكبر للصين في جنوب آسيا والغريم التقليدي للهند، التي أعلنت بعد هذه القمة، عن تقديم مساهمة بقيمة 3 مليون دولار لدول الرابطة، كما أعلن الرئيس التنفيذي لصندوق تنمية (السارك) عن 5 مليون دولار للتخفيف من تأثير الوباء على أعضاء الرابطة.

ولأن الهند تسعى دوماً في سياستها الخارجية للحفاظ على نوع من التوازن في علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية والصين وأيضاً روسيا. ففي الوقت الذي قدمت فيه مساعدات طبية للصين، قامت أيضاً بتصدير الهيروكسي كلوروكين إلى الولايات المتحدة. وقد ردت بكين بمساعدات مماثلة لدلهي، بينما مررت وزارة الخارجية الأمريكية طلباً هندياً باستيراد 16 طوربيد خفيف (من نوع MK54) وعشرة صواريخ هاربون لطائرات القوات البحرية الهندية.

مصر: في وقت مبكر من إعلان الكورونا جائحة عالمية ذات تهديد وشيك، أرسلت مصر أطناناً من الإمدادات الطبية إلى الصين برفقة وفد رفيع المستوى برئاسة وزيرة الصحة هالة زايد لإظهار التضامن والدعم للحكومة الصينية. كما أظهرت مصر نفس التضامن مع إيطاليا عندما كان لديها أعلى معدلات إصابة بالكورونا. وبالمثل، أرسلت مصر إمدادات طبية إلى الولايات المتحدة ودول أخرى كعلامة على الدعم.

ونتيجة لما سبق، كان العائد على الاستثمار سريعاً بشكل غير متوقع. فقد تمكنت مصر من الحصول على ترخيص تصنيع وتوزيع العلاج المضاد للفيروسات (ريمديسيفير) Remdesivir ليس فقط في مصر ولكن أيضاً في 127 دولة. وكان هذا الإنجاز نتاج جهد مشترك لصناعة الأدوية المصرية المحلية (إيفا فارما) Eva Pharma والدبلوماسية الخارجية المصرية الناجحة. بالإضافة إلى ذلك تمكنت وزارة الصحة من التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الصينية لتصنيع اللقاح الخاضع للتجارب السريرية في الوقت الحالي، من خلال شركة انتاج اللقاح الوطنية (فاكسيرا) Vacsera ، وبذلك أصبحت مصر مركزاً مهماً لتصنيع اللقاح في أفريقيا.

وأخيراً، نستنتج أن سوء إدارة الجائحة من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبية عدة، على الأقل في البداية، قد وفر الفرصة للصين لتحقيق نجاح هائل وظهورها كقوة عالمية مسئولة وموثوق بها، بل وأكثر استعداداً ولو ظاهرياً للتعاون مع مؤسسات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، بالمقارنة بالولايات المتحدة التي جمدت تمويلها للمنظمة. وفي هذا السياق، تم تقييم دبلوماسية الصين بشكل إيجابي في معظم وسائل الإعلام العالمية.

ترتب على هذه الأزمة نتائج عدة، ومنها

– سحر التواصل الرقمي

إحدى النتائج المهمة لهذه الازمة هو اللجوء المفرط من طرف أغلبية المنظمات الدولية والهيئات الدبلوماسية إلى المنصات الرقمية من أجل تجنب القيود المفروضة على التنقلات والتجمعات.

فبسبب هذه الوضعية أجبر الدبلوماسيون على العمل بطريقة لم يعهدوها من قبل، ووفر لهم العالم الرقمي إمكانيات وفرص هائلة، من شأنها لو توفرت الإرادة، أن تعزز التعاون الدولي وتنميه.

وأصبحت هذه النقلة ممكنة بفضل التعبئة والتحرك السريع للمنظمات الدولية منذ بداية انتشار الوباء. فمنذ مارس 2020، تحركت الأمم المتحدة بجنيف بسرعة لمواجهة الأزمة، عبر تطوير منصات رقمية سمحت بعقد مؤتمرات ومحادثات، واستأنفت المنظمة عملها بشكل كامل في فترة لم تتجاوز الأسبوعين.

وتشارك اليوم الوفود الأجنبية في المناقشات والمؤتمرات الدولية دون مغادرة عواصمها. ورغم التدابير المتخذة واجهت هذه المنظمات صعوبات وكان عليها رفع بعض التحديات، مثل اختيار المنصات الرقمية التي تتم عبرها المحادثات، أو توفير الترجمة الفورية خلال المناقشات، التزاماً بسياسات المنظمة في مجال التعدد اللغوي.

دبلوماسية الممرات والمقاهي المحاذية

يجمع الكل على الأثر الإيجابي لتكنولوجيا التواصل الرقمي سواء على مستوى زيادة جدوى وفعالية الأنشطة الدبلوماسية أو عندما يتعلق الأمر بتبادل المعلومات ومشاركتها. لكن بعض الدبلوماسيين، واستناداً إلى تجاربهم الميدانية، لا يتوانون في الإشارة إلى أوجه القصور التي تعتري هذه الأدوات عندما يتعلق الأمر في نهاية المطاف باتخاذ قرار، أو خوض مفاوضات بين وفود متعددة خاصة خلال المفاوضات الهادفة إلى إحلال السلام ومعالجة الأزمات الإنسانية. فالمحادثات وجهاً لوجه تبقى هي الطريقة المثلى للجمع بين أطراف النزاع. حيث تتيح للأطراف المشاركة وقتاً أكبر للتحدث عن الخلافات، وكذلك إجراء محادثات غير رسمية خارج الاجتماعات الرئيسية، في الممرات الجانبية، أو في المقاهي المحاذية. ناهيك أنه في العديد من مناطق الأزمات، قد لا تكون المفاوضات ممكنة عبر الإنترنت لأسباب فنية أو تقنية بسبب اتصالات الإنترنت غير الموثوقة.

الجميع حول نفس الطاولة

وفيما يتعلق بعودة الدبلوماسية متعددة الأطراف إلى طرق عملها السابقة عن انتشار الوباء، فمن المحتمل أن يستمر استخدام بعض المنصات الأساسية، مثل زوم Zoom وميكروسوفت تيمز Microsoft Teams وندوات الويب webinars. ولكن دبلوماسية حل النزاعات ستستمر إلى حد كبير كما كانت من قبل، من خلال جمع الناس حضورياً مع بعضهم البعض حول طاولة واحدة. فالتكنولوجيا الرقمية مفيدة جداً للجلسات التي يتم فيها مشاركة المعلومات، حيث تتم مناقشة موضوعات ذات أهمية ومتصلة بحياة الناس. لكن عندما تتطلب القضايا العابرة للحكومات مفاوضات وتبادل للرأي بين المندوبين، لا يبدو أن الاجتماعات عبر الإنترنت تجعل الأمر سهلاً على الدبلوماسيين.

الخلاصة

– كان من المفترض أن يوفر إنشاء منظمة الصحة العالمية مظلة جامعة لمواجهة مثل هذه التحديات الصحية، غير أن المنظمة سقطت منذ البداية ضحية للخلافات بين الأعضاء الذين استخدموها في معاركهم وحساباتهم الضيقة.

– أجبرت جائحة كوفيد-19 المجتمع الدولي على إعادة تقييم قيمه وأولوياته. كما كشفت عن طبيعة العلاقات التي تجمع بيننا فيما يتعلق بأنظمتنا الحاكمة، وكيف نتعاون، أو لا نتعاون كمجتمع دولي من أجل القضاء على هذا الوباء.

– في بداية الأزمة تنافست الدول فيما بينها من أجل الموارد اللازمة لاحتواء الوباء، وبعد فترة تعاونت الدول من خلال قيامها بتعبئة موارد المجتمع الدولى لمحاربة هذا التهديد العالمى وهزيمته.

– أصبح هناك تحرك عالمى لإتاحة اللقاحات والفحوصات والعلاجات لكل من يحتاج إليها لاحتواء الجائحة، فطرح اللقاح على نطاق عالمي يعد فرصة للتضافر وتأسيس إطار تعاوني يشمل المنظمات الدولية، والحكومات، والمجتمع العلمي، والشركات، والمنظمات غير الحكومية؛ وهذا لن ينقذ الأرواح فحسب، بل سيمكن من استعادة قدر من الحالة الطبيعية والتعافي الاقتصادي المطلوب.

وفى تقديرنا، قد يشهد المستقبل وجود ملحق طبى في التمثيلات الأجنبية في الدول المضيفة، ومن المتوقع أيضاً أن تساهم الدبلوماسية الصحية في بروز مجتمع عالمي أكثر صحة، بالمعنى الأوسع للكلمة، وأكثر شمولاً وتعاوناً. فقد أوضح عمق المعاناة التي سببها وباء كوفيد-19 أن هناك مسؤولية مشتركة تخدم أيضاً مصالح الدول الأفراد التي تشكل المجتمع الدولي. ويمكن أن يقود هذا لاحقاً إلى درء الأزمات الصحية واحتوائها، وإلى فتح مجالات إضافية تخدم مصلحة البشرية جمعاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى