خبراء عن ملف الغاز بين لبنان وإسرائيل: فرصة لإنقاذ أمريكا مِن أنياب روسيا

عاطف سعد// وابامز

رغم تهديدات إسرائيل باستهداف مئات الأهداف اللبنانية في وقت سابق، تتمسّك بيروت بعودة المفاوضات غير المباشرة مع تل أبيب فيما يخص ملف الغاز البحري، حيث قال وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية عبدالله بوحبيب، إن الوسيط الأمريكي في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل آموس هوكشتاين، سمع خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان موقفًا موحدًا، مشيرًا إلى أن اللحظة الحالية مؤاتية دوليًّا لاستخراج الغاز في ظل الطلب الكبير عليه بعد طول أمد الحرب الروسية الأوكرانية.

وأشار بوحبيب، خلال تصريحاته منتصف الأسبوع الجاري، إلى “التمسك بالخط 23 مع حقل قانا كاملًا، ورفض أي تراجع إلى ما دون هذا الخط”، لافتًا إلى أن “الخط 23 جرى إيداعه لدى الأمم المتحدة منذ عام 2011، وهو موضع تفاهم بين جميع المسؤولين المعنيين في لبنان”.

بعيدًا عن المزايدات، وحسب مسؤولين لبنانيين، هناك مصلحة كبيرة في إتمام الاتفاق سريعًا، لأنه ممر ضروري للخروج مِن نفق الأزمة الاقتصادية اللبنانية، واللحظة الحالية مؤاتية دوليًّا لاستخراج الغاز في ظل الطلب الكبير عليه بعد الحرب الروسية-الأوكرانية. ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية في بيروت، فإنّ الوقت ليس في مصلحة لبنان وعليه استغلال الأشهر الأربعة المتبقية قبل انتخابات رئاسة الجمهورية لإنجاز الاتفاق.

عرض لبناني

تتركّز مشكلة الخلاف البحري بين لبنان والدولة العبرية على منطقة في شرق البحر المتوسط تبلغ مساحتها نحو 860 كيلومترًا مربعًا، يُعتَقَد بأنها غنية بالغاز، وهي واحدةٌ من أكثر المناطق الحدودية توترًا في الشرق الأوسط، إذ تقف فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة الجيش اللبناني وحزب الله، بينما تحاول قوات حفظ السلام الدولية الحفاظ على الهدوء. وزار الوسيط الأمريكي بيروت في 13 يونيو، والتقى كبار المسؤولين اللبنانيين، وسمع منهم ردًّا موحدًا في مسألة المفاوضات غير المباشرة للترسيم.

تتركّز مشكلة الخلاف البحري بين لبنان والدولة العبرية على منطقة في شرق البحر المتوسط
تتركّز مشكلة الخلاف البحري بين لبنان والدولة العبرية على منطقة في شرق البحر المتوسط

 يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية الدكتور أشرف شعبان، إنه بعد أيام من بيانات تصعيدية بين لبنان والدولة العبرية، قدّم لبنان عرضًا رسميًّا جديدًا للوسيط الأمريكي آموس هوكستين، لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، يستثني من خلاله حقل كاريش الذي اعتبرت بيروت في وقت سابق أن أجزاءً منه تقع في منطقة متنازع عليها مقابل الاحتفاظ بحقل قانا.

وأضاف أشرف شعبان، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”: يسعى الجانب اللبناني من خلال المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية إلى تحقيق عدة أهداف، منها الحفاظ على حقوقه في الثروات البحرية، خاصةً أن إسرائيل تسعى إلى فرض الأمر الواقع بعد دخول سفينة وحدة إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة “إنرجيان باور” اليونانية في الخامس من يونيو الجاري، حقل كاريش، ضمن المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل عند الحدود البحرية الجنوبية، الأمر الذي أدى إلى احتمال نشوب حرب بين الدولتين.

صدام وتوقّعات

يهدف الجانب اللبناني أيضًا إلى تجنب الدخول في صدام مع المطالب الأمريكية، خاصةً أن بيروت تنتظر موافقة نهائية من الولايات المتحدة وتمويلًا من البنك الدولي لتنفيذ اتفاقيات تتعلق بتزويد لبنان بالكهرباء من الأردن عبر سوريا والغاز من مصر عبر الأردن وسوريا، وعدم وجود تداعيات سلبية من قانون قيصر على هذه الاتفاقيات.

ويسعى الجانب اللبناني أيضًا من هذا العرض إلى أن يحقق خطوة متقدمة في المفاوضات، فكان المخرج أنّه لم يكتفِ بالخط 23 فقط، بل طالب بقانا أيضًا، فضلًا عن أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جدًّا بالنسبة إلى الجانب اللبناني الذي يعاني من أزمة في الطاقة.

ومن المتوقع أن يتم إنجاز هذا الملف خاصة لعدة أسباب، تكمن في حاجة واشنطن إلى تصدير النّفط والغاز من شرق المتوسط لأوروبا لفرض المزيد من الضغط على موسكو، وتحرير أوروبا من هيمنة الدّبّ الرّوسي في ظل تحكمات الروس بملف الطاقة ضمن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية. فضلًا عن ذلك، فإن الحكومة “الإسرائيلية” برئاسة نفتالي بينيت تحتاج إلى إنجاز استراتيجي يضمن استمرارها في ظلّ الأزمة السياسية التي تعيشها، وأخيرًا الموقف اللبناني الموحد خلف الدولة وفرض معادلة: “إمَّا أن نستخرج معًا أو لا نستخرج معًا”.

مسألة ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان هي فقط مسألة وقت
مسألة ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان هي فقط مسألة وقت

وفي حالة عدم قبول إسرائيل بالعرض، سيتم العودة إلى المفاوضات غير المباشرة في النّاقورة، ومِن ثم العودة إلى أسس “اتّفاق الإطار” الّذي كرّس اعترافًا أمميًّا وأميركيًّا بحقّ لبنان في ترسيم حدوده وحفظ حقوقه وفق ما تقتضيه القوانين والأعراف الدولية.

مصالح مشتركة

تقول الباحثة في الشؤون الإسرائيلية الدكتورة رانيا فوزي: رغم توتر العلاقات بين إسرائيل ولبنان فإنّ المصالح الاقتصادية تقع دون حسابات القيادات الإسرائيلية التي تفصل بين الجانب الأمني الذي يتم التعامل به من قبل الأجهزة الأمنية حال وقوع مناوشات مع حزب الله، والجانب الاقتصادي الذي يستهدف منذ فترة ترسيم الحدود مع لبنان، وذلك في ضوء اكتشافات الغاز التي توليها إسرائيل أهمية كبرى.

وأضافت رانيا فوزي، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أنه بعد اكتشاف حقلي ليفتان وتمار، هناك مصالح إسرائيلية كبيرة مع لبنان، إلا أن لبنان قد حسم موقفه الرسمي مؤخرًا مِن مسار المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل لترسيم الحدود، فقدم للوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين، ردًّا بتمسك لبنان بحقه الكامل في الخط 23 مستقيمًا مع حقل قانا وبلا تعرّجات تقضم مِن مساحاته، والرغبة في استئناف المفاوضات​، وعلى الجانب الإسرائيلي هناك رغبة  شديدة في بيع الغاز لأوروبا في أقرب وقت.

وتابعت الباحثة في الشؤون الإسرائيلية قائلة إن الوسيط الأمريكي طرح في السابق تعديلات على الخط 23 لم يوافق عليها لبنان؛ فحدوديًّا يقع حقل قانا في منطقة يتقاطع فيها الخط 23 مع الخط واحد، وهو الخط الذي أودعته إسرائيل الأمم المتحدة، ويمتد أبعد من الخط 23.

ورغم التمسك اللبناني بموقفه فإن مسألة ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان هي فقط مسألة وقت، وأن الإدارة الأمريكية سيكون لها دور فعال في الضغط على لبنان الذي يعاني اقتصاديًّا مِن أزمة طاحنة، ناجمة عن عراك سياسي فكك الكثير من مفاصل الدولة العربية تبعته آثار جائحة “كورونا” ثم الحرب الروسية الأوكرانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى