جدري القرود.. هل يواجه العالم كارثة اقتصادية جديدة بحجم كورونا؟

عاطف سعد// وابامز

تزداد المخاوف عالميًا بعد انتشار مرض جدري القرود في نحو 100 دولة بما فيها دول إفريقية (يتركز في دول غرب ووسط القارة السمراء)، وسط مخاوف من موجات إغلاق جديدة كما حدث مع وباء كورونا الذي تسبب في خسائر اقتصادية فادحة وموجات إغلاق تامة ومتقطعة في دول العالم دامت أكثر من عامين مخلفةً تراجع إنتاج وارتفاع نسب البطالة ومستويات التضخم وأزمات غذائية طاحنة في قارتي إفريقيا وآسيا.

ووسط توترات سياسية وعقوبات اقتصادية متبادلة بين قوى غربية وروسيا وهروب الاستثمارات وأزمات غذائية بفعل توقف عمليات الشحن وتعطل خطوط التجارة لنقل الحبوب كالقمح والذرة من روسيا وأوكرانيا (أكبر المنتجين عالميًا) ووقف تدفقات النفط والغاز من موسكو لعواصم العالم المتقدمة، هناك تخوفات كبيرة من آثار كارثية ومدمرة على معظم سكان العالم، فالاقتصادات القوية متضررة بشدة من الإغلاقاات وآثار حرب أوكرانيا وتبعات كورونا وبالتالي لم يعد هناك متسع لإغلاق آخر بسبب جدري القرود.

أرقام وتوقعات

تعداد الإصابات عالميًا بجدري القرود ليس واسعًا بالدرجة التي تثير المخاوف الكبيرة، مع إعلان منظمة الصحة العالمية في 24 مايو الجاري عن تسجيل 131 إصابة مؤكدة بجدري القرود و106 حالات أخرى مشتبه بها منذ الإبلاغ عن الحالة الأولى في السابع من مايو لترتفع الإصابات إلى 219 حالة (الأربعاء 25 مايو) خارج البلدان التي ينتشر فيها المرض عادةً، وفق تقرير للمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، وتتركز معظم الإصابات في قارة أوروبا التي سجلت 191 حالة، بينها 118 في دول الاتحاد الأوروبي، مما يرفع درجة المخاوف في أوروبا من موجة انتشار للمرض الجلدي البشع في أرجاء القارة العجوز.

تعداد الإصابات عالميًا بجدري القرود ليس واسعًا بالدرجة التي تثير المخاوف الكبيرة
تعداد الإصابات عالميًا بجدري القرود ليس واسعًا بالدرجة التي تثير المخاوف الكبيرة

بينما يتوقع أطباء عالميون أنه مرض قابل للاحتواء وأن تفشي جدري القرود، خارج قارة إفريقيا لا يستدعي إطلاق حملات تطعيم جماعية، وأن النظافة الشخصية الجيدة والسلوك الجنسي الآمن سيسهم في كبح جماحه، آتي ذلك بعدما عزت الوكالة الأوروبية ومقرها ستوكهولم بالسويد تعدد الإصابات بالمثلية الجنسية، فغالبية الحالات لشباب يعرفون أنفسهم بأنهم رجال يمارسون الجنس مع رجال، لكنه لم يسبب وفيات.

أثار تقرير مرعب وخطير تساؤلات واسعة حول جدري القرود، صدر عن مؤسسة بيل جيتس ومؤتمر ميونيخ للأمن في مارس 2021، جاء في صفحة 10 من التقرير أن جدري القرود سيبدأ في الانتشار في 15 مايو 2022، وسيصيب 3.2 مليار شخص.

قلق أوروبي

رغم التطمينات من منظمة الصحة العالمية على لسان ريتشارد بيبودي المسؤول البارز بالمنظمة إلا أن الإمدادات الفورية من اللقاحات ومضادات الفيروسات تعد محدودة نسبيًا، يدعم ذلك الإعلان مؤخرًا عن استعدادات أوروبية كبيرة بعد انتشاره في دول كل من (المملكة المتحدة وإسبانيا والبرتغال وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وهولندا وإيطاليا والسويد) لشراء عقارات مضادة واحتياطات دولية لاحتواء الأمر حتى لو وصل مرحلة الإغلاق، خاصةً أن آثار جائحة كورونا لا تزال عالقة بالأذهان ومخاوف نشطة من عودة كورونا بقوة مع الشتاء المقبل.

أيضًا لم يخف المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا هانز كلوغ، مخاوفه من قدوم فصل الصيف وما يشهده من تجمعات جماهيرية ومهرجانات وحفلات، واحتمال تسارع انتقال العدوى الفيروسية.

تطمينات عالمية

القلق المفرط من جدري القرود في غير محله رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية عدم وجود فرصة قوية لوقف التفشي، ويربط خبراء صحيون بين التطمينات ووجود لقاح للمرض بعكس ما كان الأمر غير متوفر مع انتشار جائحة كورونا في بدايتها أو مع إعلان منظمة الصحة العالمية سرعة انتشار المرض، مع الوضع في الاعتبار أن المنظمة أعلنت حاليًا أن المرض ينتشر بصورة “غير طبيعية” في بلدان نادرًا ما يظهر بها أو لم يظهر بها مطلقًا قبل ذلك، لكنها لم تعلن الوصول لمرحلة الجائحة التي كان عليها وباء كورونا، خاصةً أن النتائج الأولية أظهرت عدم وجود طفرة أو تحور في فيروس جدري القرود.

كما أن اللقاح الخاص بعلاج مرض الجدري فعال بنسبة 85% في علاج جدري القردة، حيث اختفى مرض الجدري من العالم في فترة السبعينيات من القرن الماضي بسبب توحد الجهود العالمية لنشر اللقاح، لذا ليس هناك أي شخص تحت سن الخمسين جرى تطعيمه بلقاح الجدري، كما أن معدل الوفيات الناتجة عن جدري القردة لا يتعدى 1% في البلدان الفقيرة بغرب إفريقيا.

وأفادت المفوضية الأوروبية بحسب وكالة فرانس برس، الخميس الماضي، أن الاتحاد الأوروبي يستعد لعمليات شراء جماعية للقاحات وغيرها من العلاجات لمرض جدري القردة، مؤكدةً أنه سيتم الانتهاء من وضع التفاصيل في “الأيام القادمة”، مما يشير إلى أن العالم أكثر استعدادًا هذه المرة لعدم تكرار الأزمة الاقتصادية التي سببها وباء كورونا.

مؤشرات اقتصادية

يقول مستشار المركز العربي للدراسات الباحث الاقتصادي، أبو بكر الديب: وفقًا لصندوق النقد الدولي بلغ حجم إنفاق الحكومات 16 تريليون دولار لتقديم الدعم المالي أثناء جائحة كورونا، وزادت البنوك المركزية على مستوى العالم ميزانياتها العمومية بقيمة مجمعة قدرها 7.5 تريليون دولار، ومع ارتفاع التضخم بصورة مذهلة عالميًا وبشكل نال من أقوى اقتصادات العالم مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا بفعل آثار كورونا الممتدة وموجات الإغلاق وحاليًا العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا التي بدأت في الخميس 24 فبراير الماضي ولا تزال مستمرة.

"جدري القردة" يرعب أوروبا
“جدري القردة” يرعب أوروبا

وبلغت العجوزات أعلى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية، وقدمت البنوك المركزية كماً من السيولة في العام الماضي يتجاوز ما قدمته في العشر سنوات الماضية مجتمعة.

وأضاف أبو بكر الديب في تصريحات خاصة “الوشم الأوسط”: فيما تشير أبحاث الصندوق إلى أن ذلك كان ضرورة لا غنى عنها، لو لا الإجراءات التي اتخذها صناع السياسات لوصل الركود الذي وقع في العام الماضي، الذي كان أسوأ ركود في وقت السلم منذ حقبة “الكساد الكبير”، إلى 3 أضعاف المستوى الذي بلغه بالفعل، بحسب أوكاموتو.

وإزاء ارتفاع التضخم عن مستوى التنبؤات وعدم التيقن من توقيت انحسار العوامل الدافعة له، فإن الإصلاحات الداعمة للنمو التي تستهدف جانب العرض تتيح الوقاية من أي مخاطر تضخمية مزمنة تنشئها الضغوط على جانب الطلب في الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى