أثر الحرب الروسية الأوكرانية على معدلات أداء الاقتصاد الألماني

كتب // عاطف سعد

يستمر ارتفاع الأسعار (خاصةً الأغذية والنفط والغاز) إضافةً لأزمة الأجور وإمدادات الطاقة وزيادة معدلات التضخم في ألمانيا بنسب لم تعرفها خلال العقود الأربعة الماضية، ليعاني أقوى اقتصادات أوروبا والعالم بشكل غير مسبوق مع تبعات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وآثار جائحة كورونا على سوق العمل ومعدلات الإنتاج.

وتربط ألمانيا بحسب وزارة الاقتصاد بين العملية الروسية في أوكرانيا وتراجع الأداء الاقتصادي في الدولة وأوروبا بشكل عام، وأن وقف تدفق الغاز الروسي قد يغرق الاقتصاد في أزمة خطيرة لتأثيره على قطاعي الصناعة والزراعة، ويبحث وزير الاقتصاد مع رؤساء الشركات عن أساليب جديدة للتفاعل مع تبعات الحرب، بعدما بين تقرير شهري للبنك المركزي الألماني (بوندسبنك) أن آثار الحرب كانت محدودة في البداية ولكن المخاوف مع طول أمدها.

ولأن “المصائب لا تأتي فرادى”، التحمت آثار جائحة كورونا وزيادة أعداد المصابين الألمان بمتحور أوميكرون في الشتاء وتغيب الموظفين عن العمل والمصانع، ثم تبعات اندلاع الحرب في أوكرانيا ورغم ذلك زاد الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من يناير إلى مارس الماضي، بنسبة 0.2%، حسب الإحصائيين.

التأثر الاقتصادي الألماني تجاوز أي مؤشرات إيجابية وإن كانت طفيفة، وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي، بلغ معدل التضخم في مارس 2022، 7.3%، وارتفعت أسعار المستهلكين في شهر إبريل الماضي، التي تشمل احتساب معدل أسعار 650 سلعة، بنسبة قاربت 7.5%، مقارنةً بمستواها في نفس الشهر من العام 2021.

تأثير وتهديدات

بالنظر إلى أسعار مواد البناء والسلع الغذائية كالخبز والحديد والخشب والحليب والخضار وزيوت الطعام النباتية، فإن الارتفاع أعلى بأضعاف – فضلًا عن غياب عدد من السلع والمنتجات- وهو ما يدعو المزيد من المحللين وصناع القرار إلى التحذير من أي تبعات سلبية، فيما خفض المعهد الألماني للاقتصاد العالمي (أي إف دابليو) توقعاته للنمو الاقتصادي لعام 2022 إلى النصف تقريبًا في ظل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

الأزمة الاقتصادية الألمانية لا تنحصر في ارتفاع الأسعار فقط بعد بدء حرب أوكرانيا، بل ترتبط بأسعار النفط والغاز الروسي التي اشتعلت بعد قرارات موسكو تلقي ثمن صادراتها النفطية بـ(الروبل) بهدف دعم عملتها المحلية أمام الحصار التجاري والعقوبات الاقتصادية الغربية.

خيارات صعبة

فضلًا عن ارتفاع أسعار القمح (روسيا وأوكرانيا توفران 30% من احتياجات العالم) والذرة وزيوت الطعام النباتية التي تعتبر موسكو وكييف أكبر مصدرين لها عالميًا، أيضًا زيادة أسعار السلع الغذائية البديلة للقمح عالميًا منها البطاطس والأرز، كل ذلك في توقيت أصبحت فيه برلين مطالبة بمزيد من الدعم لأوكرانيا بالأموال والسلاح ضد روسيا التي تجيد معاقبة من لا يقف في صفها، وبالتالي فألمانيا بين خيارين كلاهما مر.

الأول: استمرار مساندة أوكرانيا ودعمها بحزم مساعدات مالية والتسليح والتعرض لمزيد من الغضب الروسي في ملف واردات النفط والأغذية والأسمدة الروسية الداخلة في الزراعة والمواد الأولية في الصناعة.

الثاني: شق الصف الأوروبي وهز فاعلية العقوبات الغربية ضد روسيا ومهادنة موسكو في توقيت حرج من الحرب، ولكن يبدو أن ألمانيا اختارت الخيار الأول ومستمرة فيه حتى كتابة هذه السطور، بعد ما رحبت رسميًا بقرار فنلندا عزمها الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

التحدي الأكبر

يقول الباحث في الشأن الاقتصادي، فاروق الهلباوي، إن ألمانيا أكبر مستورد للغاز الروسي عالميًا لذلك وضعها أوروبيًا يجعلها أمام تحديات كبيرة في حالة التزامها بالمقاطعة الأوروبية لروسيا بسبب رفض الروس دفع سعر الغاز بالروبل الذي أقرته موسكو ردًا على العقوبات الغربية، بعد بدء عمليتها العسكرية في كييف (فجر الخميس 24 فبراير 2022).

أضاف فاروق الهلباوي في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أن أكبر تحدي أمام برلين سيكون عدم الدخول في حالة من الركود بسبب تهديد القطاع الصناعي تحديدًا صناعة الأسمدة التي ستؤدي بدورها إلى أزمة غذاء، بجانب انخفاض معدلات التوظيف، بالتالي سيكون الاقتصاد الألماني في أوقات صعبة بسبب ارتفاع معدلات التضخم عن مستهدفات البنك المركزي الأوروبي الذي يخطط للسيطرة عليه عند مستوى 2% فقط.

في سياق متصل، يرى الخبير لدى مؤسسة “دويتشه بنك ريسيرتش” مارك شاتنبرج، أن احتمال أن نشهد دوامة الأسعار-الأجور على المدى المتوسط، يزداد، وسط توقعات بنمو اقتصادي في ألمانيا العام 2022 بنسبة 1.8% فقط، مع تضخم يبلغ معدله 6% في المتوسط خلال العام الجاري.

توقعات

سيؤدي ارتفاع أسعار مصادر الطاقة والمواد الأولية الأخرى من جهة، ونقصها من جهة أخرى لأسباب منها قلة المنتجين والعارضين وتراجع الدخول والمشتريات، خاصةً بعد أن ارتفع سعر الديزل بنسبة وصلت إلى 30% في شهري مارس وإبريل 2022، وارتفع سعر البنزين بنسبة أكثر من 15%، وسط توقعات بارتفاعات جديدة قبل حلول الشتاء القادم مع احتمالات استمرار الحرب في أوكرانيا.

وينذر الأمر بعواقب وخيمة على الشركات الألمانية، بينما يعتمد الاقتصاد الألماني على مصادر الطاقة الروسية بنسبة تزيد على 50% وتعرض إمدادات الطاقة للخطر ما يحفز انتشار حالات الإفلاس في البلاد، ففي ظل ارتفاع الأسعار تزداد تكاليف الإنتاج، أيضًا زيادة أعداد اللاجئين في أوروبا البالغ عددهم 3 ملايين نسمة الذين فروا من أوكرانيا مؤخرًا، حسب ما أوضحته بيانات الأمم المتحدة، نصيب ألمانيا منهم كبير ويزداد مع امتداد الحرب.

فيما يعظم من الأزمة الاقتصادية تراجع الطلب على المنتجات الألمانية التي تعتمد بكثافة على مواد مستوردة من روسيا والصين وأوكرانيا، وتحذيرات وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك، الشركات والمستهلكين، للاستعداد لمزيد من الارتفاع في الأسعار وتعطل معظم سلاسل التوريد، خص بالذكر منها صناعة السيارات والآلات الثقيلة التي تشكل عماد الصادرات الألمانية إلى العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى