“الغرب صفر فاعلية”.. أسباب توسُّع الإرهاب والعنف في إفريقيا

عاطف سعد // وابامز
تواجه دول إفريقيا، خاصة في الغرب والوسط، خطرًا إرهابيًّا متناميًا خلال الآونة الأخيرة، دون أن يكون لدول الغرب التي تتمتع بوجود لقواتها على الأرض في القارة السمراء أي دور يعول عليه في استئصال شأفة الإرهاب، وأهمها قوات برخان الفرنسية وفاجنر الروسية في مالي وغيرهما.
وحسب مؤشرات نشرتها بوابة الحركات الإسلامية، شكلت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 48% من الوفيات الناجمة عن الإرهاب العالمي طبقًا لمؤشر الإرهاب العالمي في 2022.
أمريكا التي تجيد لعبة الاستباق السياسي والأمني منذ أمد طويل تنبهت للخطر الكبير، وستكون حاضرة في مدينة مراكش المغربية يوم 11 مايو 2022، والتي تستضيف اجتماع التحالف الدولي ضد “داعش” الذي يعقد للمرة الأولى في إفريقيا برئاسة مشتركة لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، ومشاركة ممثلي أكثر من 80 بلدًا ومنظمة دولية، للتحذير من خطر الدواعش وإعادة نظر العالم المأزوم بحرب أوكرانيا وتبعاتها.
أرقام صادمة
“ما حك جلدك مثل ظفرك” مقولة تطابق الواقع، ووسط تحذيرات خبراء من خطر انتشار واسع لـ”داعش” الفترة القادمة، تنبهت دول إفريقية اكتوت بنيران الإرهاب والعنف، إذ شهدت إفريقيا في عام 2017، ما يقرب من 343 هجومًا إرهابيًّا، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 2600 شخص، وأفادت مؤسسة ماعت للسلام والتنمية بوقوع نحو 710 قتلى، ناهيك بالإصابات والانتهاكات في شهر مارس 2022، بينما شهد شهر فبراير وقوع 747 قتيلًا بفعل الإرهاب في إفريقيا.
وحسب تقرير حقوقي، جاءت نيجيريا في المركز الأول كأكبر دولة من حيث عدد ضحايا العمليات الإرهابية، وشنت جماعة بوكو حرام الإرهابية بالإضافة إلى تنظيم داعش عددًا من الهجمات الإرهابية على مدار شهر مارس الماضي أودت بحياة 159 شخصًا.

فيما شنّت القوات المشتركة التشادية والكاميرونية والنيجيرية والنيجرية هجومًا ضاريًا على تنظيم داعش الإرهابي في إطار عملية “سلامة البحيرة” مدعومة بغطاء جوي شديد، مما أسفر عنه مقتل عشرات العناصر من التنظيم، كما أن ضحايا الأحداث منذ بدايتها في شرق نيجيريا عام 2009 نتج عنها ما يقرب من 40 ألف قتيل ومليوني نازح، وامتد النزاع إلى كل من تشاد والنيجر والكاميرون ومناطق في وسط وغرب إفريقيا.
تحالف الشر
أفاد متخصصون في شؤون الجماعات والإرهاب بوجود بدايات تشكيل تحالف جهادي جديد مع عصابات وقطّاع طرق في شمال غرب نيجيريا، بينما يصل عدد أفراد عصابات ومجرمي قطاع الطريق في شمال غرب نيجيريا إلى 30 ألف عنصر إجرامي، مما يفتح شهية التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها داعش، نحو عقد تحالفات مع المنظمات الإجرامية.
ومن المتوقع عدم الإعلان عن التحالف الجديد والاكتفاء بالتنسيق السري للعمليات، نظرًا لما يحمله الإعلان عن التحالف من مخاطر للجهتين، فمن جهة يرفض قطاع الطرق الارتباط في العلن بالتنظيمات الإرهابية، بينما ترفض التنظيمات شكلًا وموضوعًا العمل بصورةٍ علنيةٍ مع العصابات لما ينضوي عليه من مخاطر عدم ثقة الأتباع في التنظيم وتأثّر سمعة التنظيمات بما تقوم به العصابات من عمليات خارجة عن القانون ولا تتفق مع روح الشّريعة الإسلامية كما يزعم قادة تلك الجماعات.
أسباب زيادة الهجمات الإرهابية
يقول الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب، صبرة القاسمي، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، إن وتيرة العمليات الإرهابية تزداد من قبل الجماعات الجهادية الإرهابية في إفريقيا بشكل كبير، وعلى رأسها ما يسمّى تنظيم الدولة الإسلامية أو ما يعرف إعلاميًّا بـ”داعش”، مما يهدد أمن المنطقة بالكامل ويضع القارة الإفريقية على المحك، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها:
١- ضعف منظمات الأمن والاستخبارات في الدول المستهدفة واختيار التنظيمات الإرهابية للمناطق الرخوة والضعيفة أمنيًّا والحدودية التي تقع في منأى من الدول المستهدفة.
٢- تخلّي الدول الغربية الداعمة وغياب الدور الحقيقي لها؛ سواءً على المستوى الاستخباراتي أو العسكري أو اللوجستي، وظهر ذلك جليًّا في انسحاب القوات الفرنسية في وقت تزداد فيه الهجمات.
٣- موجات الهجرة للتنظيمات الجهادية من سوريا والعراق والروافد التي كانت تغذي التنظيم لهما، مما جعل محطات، مالي، السنغال، النيجر، بوركينا فاسو، محطات جذب لكل العناصر الإرهابية على مستوى العالم.
٤- ضعف الدول التي تمثل محطات العبور، ليبيا، تشاد، السودان، وقلة إمكاناتها وخبرتها في مجال مكافحة الإرهاب.
٥- زيادة تركيز التنظيم على المنطقة أو المثلث الرخو في محاولة لتطبيق آليات ونظرية إدارة التوحش، في محاولة للوصول إلى منطقة نفوذ ينطلق منها التنظيم لما هو أبعد من ذلك.
حاضنات جديدة
أفادت الباحثة في الشؤون الإفريقية المنسق العام لمركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، الدكتورة نرمين توفيق، بأن تنظيم داعش نقل أنشطته الإرهابية إلى أكثر من دولة في القارة الإفريقية، بعد هزيمته وطرده من الدول العربية التي كانت مناطق لنفوذه في السابق خاصةً سوريا والعراق، وأصبحت دول إفريقيا بؤرًا بديلة جاذبة لأنشطته مستغلًّا الفراغ الأمني الكبير، ويبحث داعش عن أماكن بديلة وإفريقيا أرض مثالية لتحركاته.

ترى نرمين توفيق، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أن من بين أسباب توسع داعش في إفريقيا هشاشة الكثير من دول إفريقيا (جنوب الصحراء) أمنيًّا، وعدم وجود قوات قوية قادرة على صده، والطبيعة الجغرافية المتمثلة في الصحاري والجبال، وهي أماكن مفضلة لـ”داعش” والتنظيمات الإرهابية المختلفة.
وقالت الباحثة نرمين توفيق إن الغرب ليس له دور مؤثر في محاربة الإرهاب داخل إفريقيا، ولا ننسى ما فعلته فرنسا خلال الآونة الأخيرة بتقليص أعداد قوات برخان في غرب إفريقيا نظرًا للخلافات بين حكومتي باريس وباماكو، وهي القوات التي وُجِدت للمساعدة في مواجهة الإرهاب والقضاء على تهديدات القاعدة وداعش في الغرب الإفريقي، أيضًا سحب فرنسا تلك القوات أتاح لروسيا فرصة ذهبية في زيادة وجودها في مالي وغرب إفريقيا.
استهداف متكرّر
يرى الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب والجماعات المسلحة، مصطفى زهران، أن استهداف إفريقيا ليس بالجديد، وعندما خرج تنظيم داعش من الرقة السورية والموصل بالعراق ذهب لمناطق النفوذ الجديدة في إفريقيا، أما تنظيم القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى؛ مثل حركة الشباب الصومالية وأنصار الإسلام وبوكو حرام في نيجيريا وغيرها في مالي، كانت متخذة مناطق الغرب والقرن الإفريقي ودول الساحل، وكلها انتشارات ليست بالجديدة، فقارة إفريقيا ملهمة وجاذبة للتنظيمات المتطرفة، كونها بيئة خصبة ومناسبة لانتشارها، لغياب سياسات الحُكم الرشيد والاضطرابات الداخلية في دول إفريقية كثيرة وتعثر أنظمة حوكمتها بشتى السّبل، وكلها عوامل تساعد على تكاثر ونمو نشاط الجماعات المتطرفة.
وأضاف مصطفى زهران، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أن زيادة الفساد والصراعات القبلية وتعثر الاقتصادات ووباء كورونا بشكل أو بآخر، كلها عوامل تفيد التيارات الراديكالية في توظيف تلك السياقات التي تساعدها على الانتشار ومحاولة تحقيق أهدافها في السيطرة بقوتي الدم والسلاح بما يخدم أجندتها ومصالحها.
خلاصة
تُجبر استراتيجية مكافحة الإرهاب في إفريقيا كثيرًا من دول القارة، المنهكة اقتصاديًّا وسياسيًّا بفعل التوتّرات والحروب، أن توجّه ميزانيتها لمكافحة الجماعات المتطرّفة بدلًا من الإنفاق على تحسين أحوال المعيشة والخدمات العامة.
ومنذ شهور، دفعت مالي وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا وكوت ديفوار وغانا وتوجو وبنين بجيوشها في عمليات قتالية ضد الإرهاب ومصادر العنف، بينما يهدف أي تحالف سري بين المجموعات الإرهابية والعصابات الإجرامية إلى استمرار عمليات العنف وتقويض السلم والأمن الاجتماعي في وسط وغرب القارة السمراء.


