أسلحة وأموال الغرب.. هل تنقذ أوكرانيا مِن فكّي الدب الروسي؟

عاطف سعد // وابامز
غيّر الدعم الغربي عامة والأمريكي والبريطاني خاصةً، مسارات الحرب في أوكرانيا، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومن خلفه قادة الجيش الروسي تصوروا أنهم مقبلون على نزهة ستنتهي سريعًا بتغيير نظام الحكم في كييف مع بدء العملية العسكرية فجر الخميس 24 من فبراير المنقضي، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
الجيش الأوكراني وآلاف المتطوعين بدعم استخباراتي وعملياتي ولوجستي من حلف شمال الأطلسي “الناتو” جعلوا روسيا على وشك هزيمة أكبر من هزيمتها في أفغانستان؛ فالأسلحة الأمريكية والبريطانية المضادة للدروع دمّرت فخر الصناعة الروسية من دبابات “تي 72” و”تي 92″، كما أسقطت الأنظمة المضادة للطائرات والمحمولة على الكتف طائرات السوخوي الروسية بشتى أنواعها، ووسط دعم أمريكي سخي لأوكرانيا آخره الجمعة 6 من مايو الجاري، بلغ 150 مليون دولار وضمّ ذخائر مدفعية وأجهزة رادار متطورة، بينما يراهن خبراء على مواصلة الدعم الغربي تأثرًا بأزمة الاقتصاد العالمية.
أيضًا استهدفت الطائرات المسيرة بدون طيار، خاصةً “بيرقدار بي 2″، أنظمة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية، وعلى الجهة المقابلة لا يفوت يوم إلا وتتحدث وزارة الدفاع الروسية عن خسائر كبيرة في صفوف الجيش الأوكراني واستهداف متواصل لمعسكرات الإمدادات والأسلحة الغربية وسط دمار هائل في البنية التحتية الأوكرانية، خاصةً قطارات ومحطات السكك الحديدية، باعتبارها وسيلة نقل الإمدادات والأسلحة الأولى في أوكرانيا حاليًّا، وتعتمد موسكو على حالة الانتكاسة الاقتصادية التي دبت في الغرب وأمريكا مؤخرًا وارتفاع التضخم في الولايات المتحدة لمستويات لم تحدث قبل 40 عامًا، على أمل أن يخف الدعم الغربي عن أوكرانيا وتركها لقمة سائغة بين فكي الدب الروسي.
كانت الضربة الكبيرة للجيش الروسي إغراق الطراد الروسي موسكفا، سفينة القيادة في أسطول البحر الأسود الروسي، وأمام نجاح الجيش الأوكراني والمجموعات والمتطوعين في العمليات العسكرية، خاصةً في معركة ضواحي كييف، بدأ الغرب بنقل معدات هجومية كمدافع هاوتزر ودبابات وعربات مدرعة ومروحيات وتزويد الجيش الأوكراني برادارات مضادة للصواريخ الروسية، ورادارات مضادة لمدافع الهاون، وأخرى للمراقبة الجوية، وهي أسلحة متطورة توفّر سرعة الرد وحسم الصراع الجوي، وبات عناصر من الجيش الأوكراني يتدربون على تلك الأسلحة في بلدان الناتو المحيطة بأوكرانيا.
خسائر روسية
يقول الباحث بمركز الخليج للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمود رأفت، إنه مع دخول الحرب في أوكرانيا شهرها الثالث، تتحدث المصادر الغربية الاستخباراتية عن مقتل 20 ألفًا من عناصر الجيش الروسي وأضعافهم من الجرحى، فإذا كان هذا حدث مع الأسلحة الدفاعية، فكيف سيكون الأمر مع أسلحة هجومية فتاكة، حتى إن روسيا اليوم بدأت تتحدث عن استهدافات مستمرة داخل أراضيها، وباتت تتحدث أن ما يجري قد يجر العالم لحرب عالمية ثالثة.
يضيف محمود رأفت: “فإذا كانت قوات فلاديمير بوتين فشلت في إيجاد ممر بين دونباس وشبه جزيرة القرم، وباتت تلاحقها العقوبات الدولية الصارمة، ودمرت مئات الدبابات وعشرات الطائرات، فما بالنا إذا بدأت القوات الأوكرانية باستخدام الأسلحة الهجومية بشكل واسع؟”.

يؤكّد الباحث بمركز الخليج للدراسات السياسية، قائلًا: “استخدام تلك الأسلحة الهجومية الغربية قد يجبر بوتين حينها على إعلان الحرب الشاملة، وهو ما هدد به عدد من المسؤولين الروس ومنهم وزير الخارجية سيرجي لافروف، قبل أيام. بوتين لن يقبل بالهزيمة، وسيدفعه ذلك لاستنزاف موارد الدولة الروسية، ومع هذا فما أراه أن روسيا غرقت بالفعل في المستنقع الأوكراني، وأنها قد تلجأ بالفعل لتوسيع نطاق الحرب”.
حرب بالوكالة
يقول الباحث المتخصص في الشؤون الدولية، مصطفى حجاج، إن أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لن تدخلا أو تتورّطا مباشرة في الحرب الروسية الأوكرانية، واستراتيجيتهما ستظل مبنية على الحرب بالوكالة وإمداد أوكرانيا بمختلف أشكال الدعم، سواءً تزويدها بأحدث وأعنف الأسلحة، أو حتى توفير المرتزقة لمعاونتها في التصدي للروس مع تحمل النفقات والأعباء المالية، أو على المستوى السياسي والاقتصادي والدولي بتسويق دعاية سوداء ضد روسيا، والمتاجرة بدماء ومستقبل المدنيين.
يوضّح مصطفى حجاج: “الروس يقتلون المدنيين ويرتكبون جرائم حرب خاصة في بوتشا وماريوبول بأوكرانيا، وبالطبع لا أحد يقبل بقتل المدنيين أو تعريض حياتهم للخطر، إلا أن ازدواجية الغرب في هذا الجانب واضحة جدًّا، خاصّة أن الحرب ليس فيها عرب أو مسلمون”.
ويضيف مصطفى حجاج، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” “أيضًا هناك تضييق آخر على الروس اقتصاديًّا تتبناه أمريكا وأوروبا، مما أفاد روسيا ولم يضرها، فقامت بفرض عملتها مقابل الوقود، وقبل البعض بذلك، في حين أن البعض الآخر متوقع أن يقبل بهذا الواقع الذي فرضته الدولة الروسية، وعلى الرغم من أن الحرب الدائرة حاليًّا لن تسفر عن “فائز وخاسر” فإن روسيا فعليًّا ستكون أكبر مستفيد، كذلك الصين فمع تقزم الدور الأمريكي والأوروبي تتقدّم بقوة لتسيطر وتكسب مساحات أكبر، ما يعجّل بتشكيل وتبديل إدارة عالمية جديدة لن تكون في الحقيقة لصالح أمريكا أو الغرب”.
دروس مستفادة
في نهاية المطاف لعل أوروبا وأمريكا تعلّمتا الدرس مما حدث في العراق وأفغانستان، وأدركتا عدم استطاعتهما تحقيق مكاسب في الدخول في حرب بشكل مباشرة مع أي من الأطراف، فلجأتا للحروب بالوكالة، وهو ما صُدم منه الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، وعبر عنه في عدة تصريحات مع بداية العملية العسكرية الروسية.
وتخيل أن أوروبا وأمريكا ستتدخلان لحماية أوكرانيا من الروس وتحريك الجيوش والأساطيل ونقل الجنود للدفاع عنهم وهو ما لم يحدث، غير أن الغرب يجد فرصة جيدة لإرهاق روسيا والسعي نحو تحجيمها وفرض مزيد من العقوبات والعزلة الدولية عليها، فهرول لإمداد الأوكران بالأسلحة والمعدات المختلفة، دون تورط عسكري مباشر في المعركة.
أيضًا روسيا تستثمر الأزمة بشكل جيّد يستطيع أن يحقق لها كثيرًا من المكتسبات؛ منها وقف الزحف الأوروبي والأمريكي على حدودها الجنوبية عبر الأراضي الأوكرانية، وتنفيذ تهديداتها بالتصدي لذلك فعليًّا، كما تلعب روسيا جولات قوية بمساعدة الصين وبعض الحلفاء سواء سرًّا أو علانيةً في تحريك المياه الراكدة عالميًّا وكبح جماح أمريكا والاستمرار في السيطرة على الاقتصاد العالمي، ما ضاعف عليها الأعباء والأزمات، مما تولد منه زيادة في تضخم اقتصادها والذي يشير إلى نتائج لن ترضيها وربما عجل بتغيير الخريطة الاقتصادية العالمية بشكل أسرع مما هو متوقع.
توقّعات
مِن المستبعد أن يتم حسم الأزمة الروسية الأوكرانية قريبًا، وأن تصل المفاوضات الروسية الأوكرانية لنتائج مُرْضية خاصة أن أمريكا (المساند الأول لأوكرانيا) أعلنت أن الأموال المخصصة لدعم كييف أوشكت على النفاد، لكن الواقع وما وراء الأوكرانيين وضعف موقف رئيسها فلاديمير زيلينسكي، مستمد من واقع الموقف الغربي الأمريكي أمام القوة الروسية، ما قد يطيل أمد عملية موسكو العسكرية لا محالة،خاصة أن ورقة الضغوط الاقتصادية والعقوبات ليست ناجزة ولدى موسكو ما تلاعب به الغرب بالكامل، إنه ملف الوقود والغاز والرعب النووي.


