ما بين اليوم والأمس.. مغامرات قد تشعل الحرب العالمية الثالثة

تامر أبو جامع // وابامز 

مع احتدام الصراع ما بين روسيا وأوكرانيا ووصول الأمر لحد الصراع العسكري، تبادَر لأذهان العالم من جديد الذكريات الدموية للحرب العالمية الأولى التي خلفت أكثر من 4 ملايين قتيل ناهيك بالتغيرات الجيوسياسية التي أحدثتها وجلبت للعالم الخراب، والتي كان من نتائجها صعود هتلر لسدة الحكم في ألمانيا، ومِن ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية.

كان سبب كلّ هذا تصرفًا طائشًا من شاب مراهق أطلق رصاصتين غيرَتَا مسار التاريخ في مغامرة غير محسوبة العواقب، وبين اليوم وأمس فالتاريخ دائمًا ما يعيد نفسه، وباتت المغامرة البوتينية تنذر بنشوب الحرب العالمية الثالثة، لكن في عصر يختلف عن سابقه من حيث نوعية الأسلحة المستخدمة والتكتيكات العسكرية، فنحن اليوم في العصر النووي أو كما يحبّ البعض أن يطلق عليه سلاح الردع الاستراتيجي، ذلك السلاح الذي يهدد بفناء البشرية في حال اندلاع الصراع والحرب العالمية الثالثة التي تطرق الأبواب.

غافريلو برينسيب.. طلقتان غيرَتَا التاريخ

كان غافريلو، رابع 9 أبناء لعائلة من الفلاحين، وواحدًا من 6 عناصر كلفتهم منظمة “القبضة السوداء” الناشطة ذلك الوقت لاستقلال صربيا، باغتيال ولي عهد النمسا حين زيارته لسراييفو. ولم يكُن من المخطط لهذا الشاب أن يكون مشاركًا في عملية الاغتيال، وكان دوره مقتصرًا على المراقبة فقط، إلا أن القدر ربما هو من ساقه لتغيير التاريخ عبر فوهة مسدسه، حيث استطاع الموكب الإفلات من محاولة الاغتيال الأولى وانحرف السائق ودخل في طريق خاطئ، وألقاه القدر أمام الفتى الذي وجد نفسه أمام الموكب ولم يتردّد في اتخاذ القرار، وقتل ولي العهد وزوجته بطلقتين مِن مسدسه ليعودا بعدها لبلادهما جثتين هامدتين.

بداية التحالفات

ولم يمر شهر على الاغتيال، إلا وانتقمت الإمبراطورية النمساوية- المجرية من مملكة صربيا في 28 يوليو 1914 بإعلان الحرب عليها في ذلك اليوم وغزوها، فردّت ألمانيا بغزو بلجيكا ولوكسمبورغ، وواجهت إعلان حرب عليها من بريطانيا، وبعد 3 أشهر انضمت الدولة العثمانية للقتال، وابتليت أوروبا بأسوأ حرب دامت 4 أعوام.

لا يختلف اليوم عن البارحة

وإذا نظرنا لمجمل ما يحدث اليوم، سنجد أن الأمر لم يختلف كثيرًا عمّا دار من قرابة المائة عام، حيث كان جليًّا أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية حاول بكل السّبل استفزاز الدب الروسي وإخراجه من سُباته عبر توسيع حلف الناتو وضمه لأعضاء جدد من أوروبا الشرقية والتي كان آخرها أوكرانيا، في مغامرة طائشة لا تختلف كثيرًا عن تصرف غافريلو، مما أثار حفيظة روسيا وجعلها تحس بالتهديد المباشر على أمنها القومي.

مغامرة بوتين

يبدو أن الرئيس بوتين، الذي تراوده أحلام الاتحاد السوفيتي السابق والقيصرية الروسية وأمجادها، قد انتهز الفرصة لإحياء هذه الأحلام من جديد وإخراجها من طيات عقله لتطبيقها على أرض الواقع والسعي نحو ضم أوكرانيا بالقوة العسكرية، وتغيير النظام السياسي بها لنظام موالٍ لموسكو ليقضي على طموحات حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية، وليبعث لهما رسالة قوية مفادها أن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن للغرب تجاوزها، لكن فيما يبدو على أرض الواقع أن طموحات بوتين لن تتوقف عن تلك الحدود بل سيُحاول ضم العديد من الدول الأخرى عبر القوة العسكرية ليوسّع من الحلف الروسي وليعيد أمجاده من جديد في مغامرة قد تجلب للعالم الخراب والدمار من جديد.

الخطر في طيات التحالفات العسكرية

وعلى صعيد التحالفات التي تشكلت منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، نجد أن داعمي روسيا هم الصين وكوريا الشمالية وإيران وبعض الأنظمة في المنطقة العربية وعلى رأسها النظام السوري. وعلى الجانب الآخر نجد أن داعمي أوكرانيا هم حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية، ومما سبق يتضح حالة الانقسام التي باتت فيه القوى العالمية الحالية والتي دخلت في مرحلة الصدام وساحته الحالية هي أوكرانيا، وبات اندلاع الحرب العالمية الثالثة رهن تصرف أحمق قد يرتكبه أي طرفٍ من أطراف الصراع، وإن كانت العقوبات الاقتصادية تمثّل سلاحًا قويًّا في القرن الحادي والعشرين، وهو الأمر الذي لجأ إليه الغرب لردع الروس، إلا أن الأمر نفسه حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى وحالة الانهيار الاقتصادي الذي عاشته ألمانيا بعد خسارتها الحرب، لكن هذا الأمر لم يمنعها من العودة وإشعال العالم من جديد.

فهل ستكون العقوبات سلاح ردع قوي لوقف وردع طموحات روسيا؟ هذا ما ستوضحه لنا الأيام المقبلة راجين ألّا يعيد التاريخ نفسه فيها بتصرف طائش جديد قد يدخل العالم في تسونامي من الدماء التي لن تترك لا أخضر ولا يابس على وجه البسيطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى