«مذبحة نيلي» عندما اختلطت الدماء بالسياسة.. ماذا حدث لمسلمي الهند؟

تامر أبو جامع // وابامز
أنهار من الدماء سالت عبر أخاديد الأرض لتختلط بمياه نهر كوبيلي لتغسل تلك الدماء الطاهرة التي أراقتها أيادي الغدر والعنصرية والتعصب الأعمى المصحوب بكره مطلق لكل ما هو مسلم أو معتنق لدين التسامح والرحمة، والذي ظل معتنقوه يعيشون الاضطهاد والقتل والعنصرية الموجهة ضدهم منذ عقود طويلة حتى اليوم، خاصة الأقليات المسلمة في الهند والصين ودول جنوب شرق آسيا في بورما وغيرها.
وتحل علينا الذكرى الـ39 لمذبحة نيلي الأكثر دموية والتي أودت بحياة الآلاف من المسلمين الأبرياء بالهند، لتعيد إلى الأذهان هذه الذكرى الدموية بما تحمله من أوجاع ومآسٍ طالت المسلمين بهذه القرية الهندية.
خلفية تاريخية
منذ إعلان مغادرة الاحتلال البريطاني الهند والذي نتج عنه استقلال باكستان ذات الغالبية المسلمة، وسيطرة الهندوس على الهند واعتبار مسلميها أقلية، ويتعرض المسلمون هناك على مر عقود لعنف وعنصرية وتمييز ديني من قبل الغالبية، راح ضحيتها آلاف القتلى على مدى سنوات.

ويعتبر الإسلام ثاني أكبر الديانات بعد الهندوسية في الهند، واختلفت المعلومات عن عدد المسلمين على الأراضي الهندية، وأشارت بعضها إلى أن عدد المسلمين في الهند يتراوح ما بين 172 مليونًا أو يزيد من أصل مليار ومائة وخمسين ألف نسمة، وهو ما يجعل الهند ثالث أكبر بلد من حيث عدد المسلمين في العالم بعد إندونيسيا وباكستان.
دوافع المذبحة
في عام 1978، توفي أحد أعضاء برلمان لوك سابها مما استوجب إجراء انتخابات فرعية في دائرة مانغلدوي الانتخابية لانتخابات لوك سابها. وخلال عملية الانتخابات، لوحظ زيادة عدد الناخبين بشكل هائل، ورأى المعترضون وقتها أن السبب في هذه الزيادة الكبيرة هو الهجرة غير الشرعية من بنجلاديش، وطالب اتحاد طلاب ولاية آسام بتأجيل الانتخابات إلى حين حذف أسماء “الرعايا الأجانب” من كشوف الانتخابات.
وقام اتحاد طلاب ولاية آسام فيما بعد بإثارة قلاقل للضغط على الحكومة وإجبارها على تحديد المهاجرين، حتى اتخاذ قرار بإجراء انتخابات مجلس لوك سابها المثيرة للجدل في عام 1983 والتي قاطعها اتحاد طلاب ولاية آسام.
واقترح مسؤولون في الشرطة إجراء الانتخابات على مراحل لتجنب أي أحداث عنف، وكانت هناك 63 دائرة انتخابية يُمكن إجراء الانتخابات فيها بدون أي مشاكل. وبالنسبة إلى بقية الدوائر، أعلنت شرطة ولاية آسام أن هناك 23 دائرة انتخابية يستحيل فيها إجراء أي انتخابات، وذكرت نيلي باعتبارها أحد الأماكن “المضطربة” قبل الانتخابات.
وتم نشر 400 فرقة من قوات مركزية شبه عسكرية وإحدى عشرة كتيبة تابعة للجيش الهندي لحراسة ولاية آسام في الوقت المقرر فيه إجراء الاقتراع في هذه المراحل.
المذبحة
في 17 فبراير 1983، ذهبت قوات الشرطة على متن شاحنتين إلى قرية بور بوري، وأكدوا لأهل القرية أنهم كانوا يقومون بدوريات حراسة بالقرب من القرية، وأن القرية مؤمنة بالكامل، وبعد أن اطمأن أهل القرية على تأمينها من قِبل رجال الشرطة، خرج المسلمون من أهالي نيلي إلى عملهم خارج القرية كعادتهم في صباح الثامن عشر من فبراير عام 1983 في نحو الساعة 8:30 صباحًا، وتعرضت القرية لهجوم من قِبل العصابات التي تنتمي لرجال قبيلة لالونج الذين هاجموا القرية من ثلاث جهات وحاصروا أهلها ودفعوهم في اتجاه نهر كوبيلي.

كانت هذه العصابات تتألف من أفراد مسلحين يحملون أسلحة بدائية وعددًا قليلًا من البنادق وتقدموا نحو نيلي، وقام المعتدون بتطويق القرية من جميع الجوانب وتركوا فقط الجانب الذي ينتهي بنهر كوبيلي حيث كان هناك أيضًا معتدون آخرون على متن زوارق، وبدأ المذبحة في نحو التاسعة صباحًا واستمرت حتى الثالثة عصرًا، وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال، وبلغ عدد القتلى أكثر من 5000 ألف قتيل حسب عدد من التقارير غير الرسمية.
تقرير في طي النسيان
وبعد المذبحة، فتحت التحقيقات وصدر تقرير رسمي عن لجنة تيواري بشأن مذبحة نيلي، لكن هذا التقرير وليومنا لم يظهر للعلن وظل في طي النسيان، تحت حراسة مشددة دون الكشف عن محتواه.
كان هذا التقرير الذي يبلغ عدد صفحاته ستمائة صفحة قد أُرسل إلى حكومة ولاية آسام في عام 1984، وقررت حكومة حزب المؤتمرعدم الكشف عن محتواه، وتبعتها الحكومات المتعاقبة في ذلك، وتبذل حاليًّا الجبهة الديمقراطية المتحدة في ولاية آسام وغيرها من الجهات جهودًا قانونية للكشف عن تقرير لجنة تيواري لكن دون جدوى.
كانت قوات الشرطة قد رفعت 688 قضية جنائية، منها 378 قضية أغلقت بسبب “عدم توفر الأدلة”، وتم تسجيل 310 قضايا كلوائح اتهام، وتم إسقاط جميع هذه القضايا من قِبل الحكومة كجزء من اتفاقية آسام، ومن ثم لم يتلق شخص واحد العقاب، لتظل هذه الذكرى عالقة في وجدان المسلمين في جميع أنحاء المعمورة كأسوأ مجزرة بحق المسلمين، والحادثة الأكثر دموية في تاريخ الهند منذ الحرب العالمية الثانية.


