الاقتصاد في عهد ترامب: رسوم جمركية وتوجهات توسعية مثيرة للجدل

شهدت أولى أسابيع ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلة من التحركات السياسية المتناقضة والتحالفات المتغيرة، ما أربك الحلفاء والخصوم على حد سواء. تجلى ذلك في المواجهة الحادة التي حدثت على الهواء بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والتي أدت إلى انهيار اتفاق لاستخراج المعادن من أوكرانيا وإفشال جهود السلام التي كانت واشنطن تحاول التوسط فيها مع روسيا.

في خطوة أثارت غضبًا دوليًا، أبدى ترامب اهتمامه بضم كندا وجرينلاند، كما طرح مقترحًا مثيرًا للجدل لجعل غزة منطقة سياحية خالية من الفلسطينيين، مما أدى إلى استياء واسع في العالم العربي. بالتزامن مع ذلك، فرض الرئيس الأمريكي تعريفات جمركية على المكسيك وكندا، قبل أن يتراجع عنها بعد تذبذب سوق الأسهم، ليعود مرة أخرى إلى تبني سياسة الحواجز التجارية.

عالم العقارات

تشير صحيفة بزنس إنسايدر الأمريكية إلى أنه بالرغم من أن أسلوب ترامب في اتخاذ القرارات يبدو مفاجئًا للبعض، إلا أنه مألوف لمن تعاملوا معه في مجال العقارات في نيويورك خلال العقود الماضية. فقد اشتهر بأسلوبه غير المتوقع ونهجه التفاوضي القائم على إعادة النظر في الاتفاقيات حتى بعد إبرامها، ما جعل العديد من كبار المطورين العقاريين يتجنبون التعامل معه بسبب سمعته في خوض صراعات طويلة ومعقدة.

أشار محامٍ عقاري تعامل مع ترامب في التسعينيات إلى أن أسلوبه التفاوضي كان يعتمد على افتراض أن الأطراف الأخرى تحاول استغلاله، لذا كان مستعدًا دائمًا لإعادة التفاوض بشروط جديدة. كما أكد محامٍ آخر، عمل معه في عقد إيجار تجاري كبير في مانهاتن، أن قرارات ترامب كانت غير متوقعة، مما جعل التعامل معه أمرًا معقدًا وصعب التنبؤ به.

وزارة كفاءة الحكومة

ومن أبرز قرارات ترامب غير المتوقعه خلال ولايته الثانية، أنه أنشأ ترامب وزارة كفاءة الحكومة (DOGE) بقيادة إيلون ماسك، ومنحها صلاحيات واسعة لإعادة هيكلة البيروقراطية الفيدرالية. ويرى المعارضون أن هذه الخطوة قد تُستخدم لاستبعاد المسؤولين غير الموالين للإدارة، مما يحد من الأصوات المعارضة داخل الحكومة.

أمر ترامب فور تنصيبه بإلغاء التصاريح الأمنية لعدد من المسؤولين السابقين في الاستخبارات والأمن القومي، من بينهم جون برينان، ليون بانيتا، جيمس كلابر، وجون بولتون، بسبب توقيعهم على رسالة تتعلق بقضية جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بهانتر بايدن. اعتُبر هذا الإجراء عقابًا للمنتقدين، مما أثار جدلًا حول استخدام الأمن القومي لأغراض سياسية.

 المؤسسة العسكرية والأمنية

أصدر ترامب في يومه الأول بالبيت الأبيض قرارًا بإزالة صورة الجنرال مارك ميلي من البنتاجون، وهي خطوة غير مسبوقة لرئيس سابق لهيئة الأركان المشتركة. كما أمر وزير الدفاع بيت هيجسث بسحب تصريحه الأمني وحمايته الشخصية، وفتح تحقيق قد يؤدي إلى تخفيض رتبته. هذه التحركات فسّرت على نطاق واسع كإجراءات انتقامية ضد ميلي بسبب خلافاته العلنية مع ترامب في ولايته الأولى.

 أجهزة الاستخبارات

وجهت إدارة ترامب اتهامات للأجهزة الاستخباراتية بتسييس عملها لخدمة أجندات معينة، لا سيما فيما يتعلق بالتقارير حول التدخل الروسي في الانتخابات وتغير المناخ. أدت هذه الاتهامات إلى تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات الأمنية، وأثارت مخاوف داخل المجتمع الاستخباراتي بشأن استقلالية قراراته.

الحلفاء الدوليين

أثرت سياسات ترامب على التعاون الاستخباراتي مع دول مثل بريطانيا وكندا وأستراليا، حيث أبدى الحلفاء مخاوف بشأن مشاركة المعلومات الحساسة مع واشنطن خشية تسريبها أو توظيفها سياسيًا. أدى ذلك إلى تراجع التنسيق الأمني في قضايا رئيسية مثل مكافحة الإرهاب والتجسس الإلكتروني.

وخلال العام الجاري، كشفت مصادر عن قيام ترامب بتسريب معلومات سرية لمسؤولين روس خلال اجتماع في المكتب البيضاوي، مما أدى إلى تراجع الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها الاستخباراتيين. اعتبر الحلفاء أن سياسة الإدارة الجديدة تهدد أمنهم القومي، مما دفعهم إلى تقليص تبادل المعلومات الحساسة.  وفق ما ذكرت إيرينا تسوكرمان المحللة السياسية بالحزب جمهوري، ومحامية الأمن القومي الأمريكي.

تشير القرارات المتخذة في الولاية الثانية إلى رغبة في السيطرة على أجهزة الأمن القومي، مما قد يؤدي إلى تراجع استقلالية المؤسسات الأمنية وتقويض قدرتها على تقديم تقييمات غير منحازة. يرى النقاد أن هذا النهج قد يضر بقدرة الولايات المتحدة على مواجهة التهديدات الأمنية بفاعلية.

تسييس المناصب الأمنية

تعرضت تعيينات ترامب في الأجهزة الأمنية لانتقادات واسعة بسبب تركيزه على الولاء الشخصي على حساب الكفاءة المهنية. تم تعيين تولسي غابارد كمديرة للاستخبارات الوطنية رغم افتقارها إلى الخبرة الكافية، مما أثار مخاوف من إمكانية توجيه التقارير الاستخباراتية لخدمة أجندة سياسية بدلاً من المصلحة العامة.

كما أثار تعيين كاش باتيل على رأس مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تساؤلات حول مدى استقلالية المكتب، لا سيما مع وجود اتهامات له بالتحيز السياسي. كما أثيرت مخاوف بشأن تضارب المصالح، خاصة فيما يتعلق بملفات التدخلات الخارجية في السياسة الأمريكية.

 التعيينات وتأثيرها

أثارت تعيينات ترامب الأمنية والاستخباراتية مخاوف بشأن تسييس وكالات الاستخبارات، حيث أُعطيت الأولوية للولاء الشخصي على حساب الكفاءة. قد يؤدي ذلك إلى إضعاف موضوعية التقييمات الاستخباراتية، مما يضر بالثقة المتبادلة بين واشنطن وحلفائها.

يشير مراقبون إلى أن استعادة الثقة في مجتمع الاستخبارات تتطلب جهودًا حثيثة لفصل الاستخبارات عن السياسة. يمكن أن تؤثر هذه التغيرات على ترتيبات أمنية رئيسية، مثل تحالف “العيون الخمس”، بالإضافة إلى العلاقات الاستخباراتية مع إسرائيل وحلفاء عرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى